في تحذير جديد يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها اليمن، كشفت منظمة “التضامن الدولية” عن تسجيل تفشٍ متسارع لوباء الكوليرا والأمراض المنقولة عبر المياه في مختلف أنحاء البلاد، مؤكدة أن أكثر من 15,750 حالة اشتباه بالمرض و25 وفاة سُجّلت حتى منتصف مايو الماضي، وسط تدهور خطير في البنية الصحية، نتيجة للحرب المستمرة منذ سنوات.

وتأتي هذه الأرقام في وقت يتزايد فيه الضغط على المستشفيات ومراكز العلاج، في ظل انعدام الموارد وغياب التمويل، الذي تفاقم بسبب السياسات الممنهجة لبعض الأطراف الإقليمية، وعلى رأسها دولة الإمارات، التي لعبت دوراً بارزاً في تأجيج الصراع وتعطيل الخدمات الأساسية.

وبحسب تقرير صادر عن المنظمة، فإن محافظات حجة (14.6%)، والحديدة (14.2%)، وتعز (10.3%)، وأمانة العاصمة (8.5%)، هي من بين المناطق الأكثر تضرراً، مع تسجيل إصابات مشتبه بها في جميع المحافظات الأخرى، تتراوح بين بضع حالات وأكثر من 2,300 حالة في بعض المناطق. ويعكس هذا الانتشار الواسع، عمق التحديات التي تواجهها المنظمات الصحية، التي باتت عاجزة عن السيطرة على المرض بسبب انهيار شبكات المياه والصرف الصحي، وغياب أي مقومات للوقاية.

الأطفال والشيوخ.. الفئات الأضعف في عين العاصفة

البيانات التي نشرتها المنظمة حول الفئات المصابة، تؤكد أن الأطفال دون سن الخامسة يمثلون حوالي 30% من حالات الإصابة، في حين تجاوزت نسبة الوفيات بين من هم فوق الستين عامًا حاجز 43%. هذه الأرقام الصادمة تبرز هشاشة الفئات الضعيفة أمام الأوبئة في ظل غياب التغذية السليمة، وشح المياه النظيفة، وغياب القدرة على الحصول على الرعاية الصحية الأساسية. كما أن انتشار الكوليرا في البيئات المزدحمة، خصوصًا في مخيمات النزوح التي تفشت بسبب الحرب، فاقم من احتمالية انتقال المرض بسرعة، ما يُنذر بانفجار وبائي قد يعيد مأساة العام 2017 حين سجل اليمن أكثر من مليون حالة إصابة.

منظمة “التضامن الدولية” حذّرت من أن عدد مراكز علاج الإسهال النشطة تقلص إلى 17 مركزًا فقط، بعد أن كانت 67 نهاية عام 2024، بسبب تراجع التمويل، وغياب الاستجابة الكافية من المانحين الدوليين. هذا التقلص في البنية التحتية الصحية، جعل الوصول إلى العلاج الفوري للكوليرا شبه مستحيل في بعض المناطق، ما أدى إلى ارتفاع معدلات الوفاة، خاصة بين كبار السن.

دور الإمارات في تدمير الصحة ودعم الحرب

في حين تتركز التغطية الإعلامية على الجوانب الإنسانية فقط، يتجاهل كثيرون الأسباب السياسية والعسكرية التي أوصلت اليمن إلى هذا الوضع الكارثي. فقد لعبت دولة الإمارات دورًا محوريًا في تغذية الصراع اليمني، من خلال دعم مليشيات انفصالية في الجنوب، وتمويل جماعات مسلحة خارجة عن سيطرة الحكومة الشرعية، بل وإنشاء سجون سرية وتعطيل العمل المؤسساتي في المناطق الخاضعة لنفوذها، مما ساهم بشكل مباشر في إضعاف القطاع الصحي، وتفكيك بنيته التحتية.

وقد وثّقت منظمات حقوقية دولية قيام الإمارات بتحويل المستشفيات إلى قواعد عسكرية، وقطع الإمدادات عن مناطق تعتبرها “غير موالية”، ما أدى إلى انهيار الأنظمة الصحية في هذه المحافظات. كما سُجّلت حالات استيلاء على شحنات أدوية ومستلزمات طبية من قبل ميليشيات ممولة إماراتياً، لتباع لاحقاً في السوق السوداء، أو تُوزّع وفق اعتبارات ولاء سياسي، لا إنساني.

إضافة إلى ذلك، فإن تدمير منشآت المياه والصرف الصحي، سواء بالقصف المباشر أو بالإهمال المتعمد، ساعد في خلق بيئة مثالية لتفشي الكوليرا. فعندما تغيب المياه النظيفة، وتختفي الصرفيات، تصبح أي عدوى مرضية تهديدًا حقيقياً لحياة الآلاف، كما هو حاصل اليوم في معظم أرياف ومحافظات اليمن.

نحو انفجار وبائي.. والعالم يتفرج

المخاوف من موجة جديدة وكبيرة من الكوليرا باتت حقيقة واقعة، لا سيما في ظل فشل المجتمع الدولي في فرض حلول سياسية توقف الحرب، وتمنع استخدام البنية التحتية والخدمات الأساسية كأوراق ابتزاز. وبحسب مصادر طبية ميدانية، فإن هناك أحياءً بكاملها في تعز والحديدة لم يدخلها أي فريق طبي منذ أسابيع، بينما يضطر السكان لشرب المياه الملوثة أو الاستحمام بها، مما يجعل انتقال العدوى مسألة وقت فقط.

التحذير الأبرز من منظمة “التضامن الدولية” لم يكن مجرد رقم، بل دعوة صريحة إلى أن “الوباء سيتحول إلى مجزرة صحية إذا لم تُرفع العراقيل أمام التدخل الإنساني، وتُحاصر الجهات الممولة للانقسام والفوضى”، في إشارة واضحة إلى أدوار إقليمية، وعلى رأسها الإمارات، التي حوّلت مناطق كاملة إلى جزر معزولة بلا خدمات.

خاتمة: أوقفوا الحرب قبل أن يموت الجميع

تفشي الكوليرا ليس وباءً بيولوجياً فحسب، بل هو نتيجة مباشرة لحرب عبثية غذّتها أطماع إقليمية ودعم خارجي لمليشيات وأجندات مشبوهة. وفي بلدٍ يعاني من الفقر، والحصار، والانقسام، فإن كل وباء يصبح سلاحاً بيد من يريد فرض سيطرته ولو على أنقاض جثث الأطفال.

إذا استمرت الإمارات في لعب دورها التخريبي، وظلت الجهات الدولية صامتة، فإن اليمن لن يشهد فقط انهيارًا صحيًا، بل كارثة إنسانية لا يمكن احتواؤها. والمطلوب الآن، ليس فقط تمويلاً لمراكز العلاج، بل مساءلة سياسية ومحاسبة كل من تسبب في قتل اليمنيين، بالكوليرا كما بالصواريخ.

اقرأ أيضًا : كاميرات الاحتلال تكشف بسالة المقاومة: هجوم نوعي يستهدف دبابتين إسرائيليتين جنوب غزة