في مشهد يُجسد تحول المقاومة الفلسطينية إلى مدرسة في حرب العصابات، وثّقت وسائل إعلام إسرائيلية، مساء السبت، مقطع فيديو يُظهر عملية نوعية نفذها مقاومون فلسطينيون استهدفوا خلالها دبابتين من طراز “ميركافا” جنوب قطاع غزة. المفارقة اللافتة أن الفيديو لم يُسرب من جهة فلسطينية، بل نشرته أوساط إعلامية إسرائيلية، ما يُشير إلى حجم الصدمة والذهول داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية في “تل أبيب”. 

العملية التي جرت في منطقة محاذية لمدينة خان يونس، أعادت التذكير بأن غزة، رغم القصف والتدمير، ما تزال ساحة اشتباك مفتوحة وقادرة على إفشال خطط الاحتلال.

أبطال من تحت الأنقاض: تكتيك مدروس أم ارتجال بطولي؟

الفيديو الذي انتشر كالنار في الهشيم عبر منصات التواصل، خاصة على منصة “إكس”، أظهر مقاومَين على الأقل يخرجان من بين الأنقاض وسط منطقة مدمرة، أحدهما يصوّب قاذفًا صاروخيًا نحو دبابة إسرائيلية ويُطلق النار بدقة، فيما يتقدّم الآخر بخطى سريعة نحو دبابة ثانية ويقوم بإلقاء عبوة ناسفة داخلها.

بدا المشهد كأنه مأخوذ من فيلم حربي محكم الإخراج، لكنه في الواقع يعكس تطور الأداء الميداني للمقاومة، خاصة في قدرتها على استخدام التضاريس الجديدة التي فرضها القصف الإسرائيلي لصالحها.

ووفق ما تداولته وسائل الإعلام العبرية، فإن العملية نُفّذت قرب خان يونس، وتحديدًا في مناطق تعتبرها إسرائيل “منضبطة أمنيًا”، ما يفضح خللًا في تقديراتها الاستخباراتية وميدانياتها العسكرية. تشير المعطيات الأولية إلى أن الهجوم أسفر عن إصابات مباشرة في صفوف الجنود، دون أن تعلن إسرائيل رسميًا عن عدد القتلى أو الجرحى، في خطوة يُعتقد أنها تهدف إلى امتصاص الغضب الداخلي وتقليل تداعيات الحادث.

صمت القسام… وخطاب الصورة أقوى من البيانات

حتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم تُصدر كتائب عز الدين القسام، الذراع العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، بيانًا رسميًا يتبنى العملية. 

ومع ذلك، فإن بصمة القسام في العملية واضحة من حيث نوعية التنفيذ والتكتيك المستخدم. من المعروف عن الكتائب أنها تُفضّل تأخير الإعلان عن عملياتها إلى حين التأكد من نتائجها وتقييم الموقف الأمني، أو لأسباب تتعلق بالإعداد لعمليات لاحقة في السياق ذاته.

وفي السياق ذاته، أعلنت كتائب القسام عصر السبت عن قنص جندي إسرائيلي شرق خان يونس في منطقة عبسان الكبيرة، مؤكدة إصابته إصابة قاتلة، ما يُشير إلى أن جنوب القطاع يشهد حاليًا تصعيدًا ميدانيًا لافتًا من قِبل المقاومة، رغم الضغط العسكري الإسرائيلي المستمر منذ أشهر.

وبينما امتنعت القنوات العسكرية الإسرائيلية عن بث تفاصيل دقيقة حول نتائج العملية، كشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” عن إصابة خمسة جنود إسرائيليين خلال اليوم ذاته، أحدهم في تفجير عبوة ناسفة بسيارته في خان يونس، وأربعة آخرون خلال اشتباك مع عناصر مقاومة جنوب مدينة غزة.

تكتيكات المقاومة: من حرب الجبهات إلى حروب الكمائن

اللافت في هذا الهجوم أنه يتجاوز نموذج “الضرب والانسحاب” إلى نمط من الاشتباك المباشر المدروس، الذي يعتمد على نصب كمائن في مناطق تقدّر المقاومة أن الاحتلال بات يعتبرها “مؤمنة”. وهذا ما يعيد إلى الأذهان تكتيك “حرب الأشباح” الذي تتبعه المقاومة، حيث لا يُعرف متى وأين سيظهر المقاتلون أو كيف سينفذون هجماتهم.

تؤكد العملية مجددًا أن المقاومة طورت قدراتها بما يجعلها قادرة على تنفيذ عمليات معقدة تحت أنظار الطائرات المسيرة والمراقبة الجوية. فخروج المقاتلين من بين الأنقاض دون أن تُرصد تحركاتهم يشير إلى أن الاحتلال، رغم تفوقه التكنولوجي، بات عاجزًا عن منع هذا النوع من العمليات النوعية، التي تضرب في عمق ثقته بمناطق سيطرته.

صدمة إسرائيلية صامتة: هل تنجح الرقابة العسكرية في احتواء الغضب؟

ردود الفعل الإسرائيلية حتى الآن تتسم بالتكتم الواضح. فباستثناء التقارير الأولية عن وقوع إصابات، لم تصدر أي بيانات رسمية من الجيش الإسرائيلي حول تفاصيل العملية، ما يعكس إما حجم الخسائر، أو خشية القيادة من ردود فعل الجمهور الإسرائيلي الذي بات يرى في استمرار الحرب استنزافًا مفتوحًا لا يُفضي إلى “نصر” أو “ردع”.

وتسعى الرقابة العسكرية في إسرائيل للحد من انتشار الفيديو، لكنها فشلت إلى حد بعيد، إذ بات المقطع من أكثر المواد تداولًا في الساعات الأخيرة، ويُعرض على شاشات كبرى وسائل الإعلام في العالم بوصفه دليلًا على استمرار قدرة المقاومة على الفعل الميداني رغم ما تعانيه غزة من دمار وتجويع.

خاتمة: المقاومة تُعيد تعريف موازين الحرب في غزة

العملية المصورة التي استهدفت دبابتين إسرائيليتين جنوب القطاع تُعدّ رسالة جديدة من المقاومة إلى قادة الاحتلال: غزة لم تُهزم. فكل شبر من أرضها قد يتحول إلى فخ قاتل، وكل أنقاض بيت تُقصف قد تكون منصة لانطلاق مقاوم. في مقابل آلة عسكرية تعتمد على التكنولوجيا، تؤكد المقاومة من جديد أن العقيدة القتالية والإرادة الصلبة قادرة على قلب المعادلة.

وفي ظل هذا الأداء المقاوم المتطور، تتزايد الأسئلة داخل الأوساط الإسرائيلية: ما جدوى الحرب؟ ومتى تنتهي؟ أما بالنسبة للفلسطينيين، فقد قدّم مقطع الفيديو مشهدًا ملهمًا آخر يرسّخ رواية الصمود، ويُعيد التأكيد بأن النصر لا يُقاس بعدد الطائرات، بل بثبات الإنسان على حقه.

اقرأ أيضًا : المدينة الإنسانية.. قناع جديد لمحرقة غزة؟