في تطور يعكس عمق التحولات داخل محورَي النفوذ الخليجي في المنطقة، حذّر تقرير نشرته مجلة “نيوزويك” الأمريكية من تداعيات خطيرة للانقسام المتصاعد بين السعودية والإمارات في اليمن، مؤكدا أن هذا الخلاف لم يعد مجرد تنافس سياسي على مناطق النفوذ، بل تحوّل إلى صراع علني بين قوتين إقليميتين لعبتا الدور الأكبر في تدمير الدولة اليمنية وتمزيق مكوناتها خلال السنوات الماضية. واعتبر التقرير أن هذا التصدّع داخل التحالف الذي خاض الحرب معًا منذ 2015 يمثل “إعادة تموضع جذرية” في بنية التحالفات الخليجية، مع تأثيرات مباشرة على الأمن الإقليمي، والممرات البحرية، ووحدة اليمن ومستقبل الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

ويشير التقرير إلى أن الانقسامات التي ظهرت في المحافظات الشرقية – وخاصة حضرموت والمهرة – ليست مجرد تحركات ميدانية، بل تعكس تراجع القبضة السعودية على شرق اليمن في لحظة حساسة، مقابل صعود نفوذ إماراتي كثيف عبر المجلس الانتقالي الجنوبي وأذرعه العسكرية. ويرى محللو “نيوزويك” أن السيطرة السريعة للانتقالي على مناطق واسعة بدون قتال شكّلت “ضربة موجعة” للرياض، التي خسرت أبرز أوراقها في تشكيل مستقبل اليمن السياسي والحفاظ على عمقها الأمني جنوبًا.

وبحسب التقرير، فإن انسحاب القوات السعودية والسودانية من قصر معاشيق والبريقة في عدن، وإجلاء الكادر الطبي السعودي من مستشفى الأمير محمد بن سلمان، تزامن مع انسحاب قوات درع الوطن التابعة للرياض نحو مناطق حدودية بين مأرب وحضرموت، في مؤشر واضح على أن السعودية أعادت حساباتها بعد اكتشافها أن الإمارات سبقتها خطوة بخطوة في بناء واقع سياسي وعسكري جديد في الجنوب.

انهيار التحالف… وصراع محور الشر

ويرى التقرير أن الصراع السعودي–الإماراتي اليوم لم يعد مجرد خلاف تكتيكي حول ملفات اليمن، بل أصبح صراع نفوذ بين “محورين” دمّرا اليمن لعقد كامل، ثم وجدا نفسيهما الآن في مواجهة مباشرة على خرائب البلاد. فالإمارات، التي دعمت المجلس الانتقالي الجنوبي وميليشيات متحالفة معه، تسعى لإقامة جنوب منفصل يضمن لها السيطرة على أهم الموانئ والجزر والممرات البحرية، بينما تحاول السعودية الحفاظ على يمن موحد نسبيًا يقي حدودها هشاشة دولة جنوبية تسيطر عليها أبوظبي.

هذا التنافس – وفق التقرير – هو أحد أبرز الأسباب التي أضعفت المعركة ضد الحوثيين، وسمحت لهم بتوسيع نفوذهم واستغلال الانقسامات لشن هجمات أكثر جرأة على الملاحة الدولية في البحر الأحمر. كما أدى هذا الانقسام إلى تعطيل المساعدات الإنسانية وعرقلة المبادرات الدبلوماسية الأمريكية التي تسعى لاحتواء التوتر في البحر الأحمر وتأمين خطوط التجارة العالمية.

واشنطن في ورطة… وحسابات معقدة

وتشير “نيوزويك” إلى أن الولايات المتحدة تجد نفسها اليوم أمام معضلة غير مسبوقة: فهي تعتمد على السعودية والإمارات كحليفين استراتيجيين في المنطقة، لكنها تواجه الآن صراعًا مفتوحًا بينهما داخل ساحة مشتعلة أصلًا. وهذا يعني – بحسب التقرير – أن واشنطن قد تُجبر على إعادة تشكيل سياستها في اليمن بما يشمل أدوات المساعدات والضغط الدبلوماسي، وإعادة تقييم علاقتها الأمنية مع الطرفين.

كما يتخوّف صناع القرار الأمريكي من أن يؤدي ترسيخ المجلس الانتقالي لحكمه في الجنوب إلى تفكك فعلي لليمن وخلق منطقة شبه مستقلة خارج سيطرة الحكومة المعترف بها دوليًا، وهو ما قد يفتح الباب أمام صدامات جديدة بين قوات الانتقالي والجيش اليمني، وربما مع السعودية نفسها.

الرياض أمام خيارات صعبة

ويرى التقرير أن السعودية تجد نفسها في موقف “الأكثر خسارة” بعد تحركات الانتقالي في حضرموت والمهرة. فهي اليوم أمام ثلاثة خيارات جميعها مُكلِفة:

  1. التصعيد العسكري ضد الانتقالي لاستعادة السيطرة، وهو سيناريو سيؤدي لتفجر حرب جنوبية–جنوبية. 
  2. التفاوض القسري والقبول بدور محدود في الجنوب تحت الهيمنة الإماراتية. 
  3. الانسحاب التدريجي من الملف اليمني، وهو خيار يعرض حدودها الجنوبية لمخاطر أمنية غير مسبوقة. 

تحذيرات يمنية من “انقلاب الانتقالي”

وبالتزامن مع التحولات الميدانية، حذّر نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، سلطان العرادة، من أن تحركات الانتقالي “خارج الإجماع الوطني” تمثل فرصة ذهبية للحوثيين لتعزيز قوتهم وتوسيع نفوذهم. كما اتهم وزير الخارجية اليمني الأسبق المجلسَ الجنوبي بالانقلاب على الشرعية والدستور، محذّرًا من دخول البلاد في منعطف أخطر منذ بداية الحرب.

من دمر اليمن لا يبنيه… بل يتصارع عليه

ويؤكد التقرير الأمريكي أن ما يجري اليوم ليس صراعًا من أجل اليمن، بل صراع على اليمن بين قوتين ساهمتا بدرجات مختلفة في إطالة الحرب، ودعم الميليشيات، وتفكيك مؤسسات الدولة، ونهب الموانئ والجزر والثروات. واليوم، وبعد أن تمزقت البلاد، يتنافس محور الشر – السعودي الإماراتي – على الغنائم في مشهد يلخص مسارًا كارثيًا صنعته سنوات من التدخلات الخارجية.

ويخلص التقرير إلى أن الخاسر الأكبر من هذا الانقسام هو اليمنيون وحدهم، وأن استمرار هذا الصراع سيعمّق الكارثة الإنسانية، ويزيد من تفكك البلاد، ويفتح الباب أمام فصل الجنوب، فيما يستمر الحوثيون في تعزيز قوتهم على حساب دولة تتلاشى يومًا بعد يوم.

اقرأ أيضًا : قاضية أميركية ترفع القيود عن طالبة تركية مؤيدة لفلسطين بجامعة تافتس