في تصعيد جديد يعكس حجم المأساة الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أطلقت المقررة الخاصة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيزي تحذيرات شديدة اللهجة، متهمة إسرائيل بتبني التعذيب كـ”سياسة دولة” ممنهجة، في ظل ما وصفته بتواطؤ دولي يمنح الاحتلال غطاءً للاستمرار في انتهاكاته. ويأتي هذا التقرير في لحظة حساسة تتزايد فيها الانتقادات الدولية، لكنها تصطدم بواقع سياسي يكرّس الإفلات من العقاب.

التعذيب كمنظومة حكم: من السجون إلى المجتمع
لم يعد التعذيب، وفق تقرير ألبانيزي، مجرد ممارسات فردية داخل مراكز الاحتجاز، بل تحول إلى بنية متكاملة تُمارس على نطاق واسع، تشمل مختلف مناحي الحياة الفلسطينية. فالتقرير يسلط الضوء على أن ما يجري يتجاوز الأساليب التقليدية للتعذيب، ليصل إلى خلق “بيئة قسرية شاملة” تهدف إلى كسر الإنسان الفلسطيني نفسياً وجسدياً.

هذه البيئة، بحسب التوصيف الأممي، تتجسد في الاعتقالات الجماعية، والاختفاء القسري، وسوء المعاملة داخل السجون، إلى جانب القيود اليومية التي يعيشها الفلسطينيون تحت الاحتلال. وهنا يظهر البعد الأخطر: تحويل التعذيب إلى أداة لإدارة السكان، وليس فقط لمعاقبة الأفراد.

تصعيد غير مسبوق منذ 7 أكتوبر
يشير التقرير إلى أن وتيرة الانتهاكات تصاعدت بشكل ملحوظ منذ أكتوبر 2023، حيث تم اعتقال أكثر من 18,500 فلسطيني، بينهم ما لا يقل عن 1500 طفل. ولا يزال نحو 9 آلاف شخص رهن الاحتجاز، في حين تعرض أكثر من 4 آلاف لحالات اختفاء قسري، ما يعكس توسعاً ممنهجاً في سياسات القمع.

هذا التصعيد لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للحرب على غزة، التي أسفرت عن مقتل أكثر من 72 ألف فلسطيني وإصابة مئات الآلاف، فضلاً عن تدمير نحو 90% من البنية التحتية في القطاع. هذه الأرقام، وفق مراقبين، تعكس نمطاً من العنف الممنهج الذي يتجاوز الأهداف العسكرية ليطال المجتمع بأسره.

إجرام الاحتلال: بين العقاب الجماعي والنوايا التدميرية
أحد أخطر ما ورد في التقرير هو توصيف الانتهاكات بأنها تحمل مؤشرات على “انتقام جماعي ونية تدميرية”. هذا التوصيف يضع الممارسات الإسرائيلية في إطار قانوني خطير، قد يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية، وربما جرائم إبادة جماعية.

فالتعذيب، كما تشير ألبانيزي، لا يهدف فقط إلى انتزاع المعلومات، بل إلى تدمير مقومات الحياة الفلسطينية، وسلب الكرامة الإنسانية، وتحويل المجتمع إلى حالة من الإنهاك الدائم. هذا النمط من السياسات يعكس، بحسب التحليل، عقيدة أمنية تقوم على الردع عبر الإذلال الجماعي.

دعوات للمحاسبة: هل يتحرك القضاء الدولي؟
في خطوة لافتة، دعت ألبانيزي إلى إصدار مذكرات اعتقال بحق عدد من كبار المسؤولين الإسرائيليين، بينهم وزير الدفاع ووزراء آخرون، على خلفية مسؤوليتهم عن هذه السياسات. هذه الدعوة تفتح الباب أمام اختبار حقيقي لفعالية النظام القضائي الدولي، الذي كثيراً ما وُجهت إليه انتقادات بالعجز أو الانتقائية.

غير أن التحدي الأكبر يكمن في الإرادة السياسية للدول، خاصة في ظل الدعم الذي تحظى به إسرائيل من قوى دولية كبرى، ما يجعل أي تحرك قانوني عرضة للتعطيل أو التسييس.

صمت دولي أم تواطؤ؟
ألبانيزي لم تكتفِ بتوجيه الاتهام لإسرائيل، بل وسّعت دائرة المسؤولية لتشمل المجتمع الدولي، معتبرة أن “منح الرخصة” جاء نتيجة صمت أو دعم ضمني من حكومات عديدة. هذا الاتهام يعكس إشكالية عميقة في النظام الدولي، حيث تتراجع مبادئ القانون الدولي أمام الحسابات السياسية.

ويحذر التقرير من أن تجاهل هذه الانتهاكات لا يهدد الفلسطينيين فقط، بل يقوض النظام القانوني العالمي بأسره، ويفتح الباب أمام تكرار هذه الجرائم في مناطق أخرى من العالم.

الهجوم الإسرائيلي: نفي واتهامات مضادة
في المقابل، سارعت البعثة الإسرائيلية إلى رفض التقرير، ووصفت ألبانيزي بأنها “أداة للفوضى”، متهمة إياها بالترويج لخطاب تحريضي. كما واجهت الخبيرة الأممية اتهامات متكررة بمعاداة السامية، في محاولة لتقويض مصداقية تقاريرها.

هذا الرد يعكس استراتيجية إسرائيلية متكررة تقوم على نزع الشرعية عن المنتقدين، بدلاً من الرد على جوهر الاتهامات، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد ويعمق الانقسام الدولي حول القضية.

خاتمة: اختبار أخلاقي للنظام الدولي
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن تقرير ألبانيزي يتجاوز كونه مجرد وثيقة حقوقية، ليشكل لحظة اختبار حقيقية للنظام الدولي: هل ستتم محاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات، أم سيستمر الإفلات من العقاب؟

الإجابة على هذا السؤال لن تحدد فقط مصير الفلسطينيين، بل ستكشف أيضاً مدى التزام العالم بالقيم التي يدّعي الدفاع عنها. وفي ظل استمرار الجرائم وتصاعدها، يبقى الصمت الدولي شريكاً غير مباشر في ترسيخ واقع من الظلم الممنهج، الذي قد تمتد تداعياته إلى ما هو أبعد من فلسطين.

اقرأ أيضا : تصعيد إقليمي خطير.. هجمات إيرانية متواصلة على دول الخليج واعتراض عشرات الصواريخ والمسيرات