تشهد ساحة الصراع الإقليمي تصعيدًا غير مسبوق بين السعودية والإمارات، لكن هذه المرة بعيدًا عن ميادين القتال المباشر، وعلى طاولة الدبلوماسية الثقيلة والتحالفات الكبرى. تقرير حديث نشره موقع استخباراتي متخصص كشف أن التحركات الإماراتية الأخيرة مع الصين لا يمكن قراءتها في إطار “شراكة اقتصادية” أو “تنويع علاقات”، بل بوصفها مناورة سياسية–أمنية محسوبة تهدف إلى تحصين الدور الإماراتي في ملفات شديدة الحساسية، وعلى رأسها السودان واليمن، داخل أروقة مجلس الأمن الدولي.

وفق التقرير، تدرك أبوظبي أن أنشطتها الإقليمية باتت تحت مجهر دولي متزايد، وأن هامش المناورة التقليدي عبر العواصم الغربية لم يعد مضمونًا كما كان. من هنا، يأتي التوجّه شرقًا، وتحديدًا نحو الصين، ليس بحثًا عن سلام أو استقرار، بل لتأمين ما يمكن وصفه بـ“الفيتو الصامت” أو، في الحد الأدنى، حياد صيني يمنع أي قرارات إدانة أو مساءلة دولية في ملفات باتت مثقلة بالأدلة والاتهامات.

السودان: اتهامات موثقة وسعي لإغلاق المسار الدولي

في السودان، تتراكم تقارير حقوقية وإعلامية تتحدث عن أسلحة محظورة، ودعم غير مباشر للميليشيا، مع إنكار رسمي متواصل من أبوظبي. لكن الأخطر، بحسب التقرير الاستخباراتي، هو ما يجري في الكواليس: تحرّك دبلوماسي مكثف لقطع الطريق على أي مسعى داخل مجلس الأمن لإدانة هذا الدور أو فتح تحقيق دولي مستقل.

هنا، لا يبدو الرهان الإماراتي على تغيير الوقائع على الأرض بقدر ما هو رهان على تعطيل المسار القانوني الدولي، وتأجيل الحساب، وشراء الوقت عبر شبكة علاقات مع قوى كبرى قادرة على التعطيل أو التخفيف.

اليمن: تفكيك الدولة تحت عناوين براقة

أما في اليمن، فيتخذ المشهد شكلًا مختلفًا لكنه لا يقل خطورة. فالدعم الإماراتي لقوى محلية بعناوين “التوازن السياسي” أو “مكافحة الإرهاب” يُترجم عمليًا إلى تعزيز مسارات تفكيك الدولة، وإضعاف السلطة المركزية، وإعادة إنتاج الفوضى بصيغة مُدارة.

التقرير يربط بين هذا الدور وبين الحاجة الإماراتية إلى غطاء دولي يمنع توصيف هذه السياسات كمسؤولية مباشرة عن إطالة أمد الصراع. ومن هنا، يصبح الحضور الصيني في المعادلة عنصر طمأنة لأبوظبي في مواجهة أي ضغط محتمل.

السعودية والإمارات: صراع شركاء الأمس

التصعيد لا ينفصل عن التوتر بين السعودية والإمارات. فرغم التحالف الظاهري، تكشف الملفات الإقليمية عن صراع نفوذ حقيقي، حيث تسعى كل دولة لتأمين مصالحها حتى لو تعارضت مع الأخرى. السعودية، تراقب بقلق محاولات الإمارات إعادة التموضع دوليًا لتفادي أي تبعات مستقبلية، خصوصًا إذا فُتح ملف المساءلة بشكل جدي.

إدارة أزمات لا دبلوماسية

ما يجري، وفق توصيف التقرير، ليس دبلوماسية بالمعنى التقليدي، بل “إدارة أزمات بالتحالفات الكبرى”. فالدول التي تدرك هشاشة مواقفها تلجأ عادة إلى القوى القادرة على تعطيل العدالة الدولية، لا إلى معالجة جذور الأزمات. أبوظبي، في هذا السياق، لا تسعى إلى تسوية حقيقية في السودان أو اليمن، بل إلى ضمان ألا تتحول هذه الملفات إلى قرارات مُلزمة تُقيد حركتها، وبالتالي تدعم الميليشيا وتشعل النزاعات.

إلى متى يصمد الغطاء؟

السؤال المركزي لم يعد: ماذا تفعل الإمارات؟ بل: إلى متى يستطيع هذا الغطاء الدولي الصمود أمام تراكم الحقائق؟ فالتجربة أثبتت أن البيانات الرسمية لا تمحو الأدلة، وأن التحالفات لا تُغسل بها الجرائم. ما يُدار اليوم في الغرف المغلقة قد يُكشف غدًا على الطاولة الدولية، حين تتغير موازين القوى أو تتبدل أولويات اللاعبين الكبار.

في النهاية، السيادة لا تُدار بالوكلاء، ولا تُشترى بالفيتوهات. والدول التي تبني نفوذها على الخراب والدمار، مهما طال بها الزمن، تجد نفسها في مواجهة الحقيقة. قد يتأخر الحساب، لكنه لا يسقط.

اقرأ أيضًا : الإمارات شريك خفي؟ حمدان يحذّر من مخطط تهجير إلى أرض الصومال