في خطوة تكشف عن عمق التحولات الجيوسياسية في سوريا ما بعد سقوط نظام الأسد، كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية عن اقتراح إسرائيلي غير مسبوق يقضي بـ”تقسيم مناطق النفوذ” داخل الأراضي السورية، كوسيلة لإدارة التنافس مع تركيا ومنع اندلاع مواجهة مباشرة معها.

المقترح الإسرائيلي، الذي تسعى تل أبيب لتمريره عبر وساطة أمريكية أو روسية، يقوم على توزيع غير رسمي للأراضي السورية بين القوى الكبرى، بما يرسّخ الاحتلال ويقوّض وحدة الدولة السورية تحت ذريعة منع الفوضى.

الاقتراح الصهيوني بحسب الصحيفة، يمنح روسيا السيطرة على الساحل، وتركيا على الشمال، والولايات المتحدة و”إسرائيل” على الشرق والجنوب، فيما يُترك “ما تبقى” للنظام المؤقت، إلى حين قيام “حكومة منتخبة” مجهولة المصير في دمشق.

هذه الخريطة لا تُخفي أهداف تل أبيب الحقيقية: منع أنقرة من ملء الفراغ الناتج عن سقوط الأسد، وتوسيع هامش المناورة الإسرائيلي في العمق السوري، خاصة ضد طهران ومحورها.

التذرّع بتركيا لتبرير التوغل الإسرائيلي

يأتي الكشف عن المقترح الإسرائيلي بالتزامن مع تصعيد عسكري خطير نفذته تل أبيب عبر استهداف مطار “تي 4” العسكري في حمص، وهو الموقع الذي كانت أنقرة تسعى لنشر قوات أمنية فيه ضمن خطتها لتوسيع نفوذها في العمق السوري. رغم التصعيد، حاول وزير الخارجية التركي هاكان فيدان تخفيف التوتر خلال مؤتمر الناتو، مؤكدًا أن بلاده لا ترغب بمواجهة مباشرة مع إسرائيل، وهو ما فسّرته الصحيفة العبرية كضوء أصفر للتفاوض لا للتهدئة فقط.

إلا أن الموقف التركي العلني لم يمنع تل أبيب من المضي قدمًا في قصف أربعة مطارات عسكرية في ليلة واحدة، ضمن ما وصفته الصحيفة بـ”الرسالة للسلطان في أنقرة”. 

وفيما تمتنع “إسرائيل” رسميًا عن ذكر تركيا بالاسم، فإن الصحيفة نفسها لا تُخفي أن ما يجري هو محاولة متقدمة لتقويض أي تموضع تركي قد يُهدد مصالح الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب السوري، لاسيما في الجولان، الذي تسعى تل أبيب لتحويله إلى منطقة “محمية” بعيدة عن أي وجود عسكري غير إسرائيلي أو أمريكي.

وفي هذا السياق، لا تخفي الصحيفة أن الدافع الرئيسي للهجوم على المطار هو منع أنقرة من استخدامه كنقطة ارتكاز استراتيجية في التمدد العسكري نحو وسط سوريا، ومنعها من نصب منظومات دفاع جوي أو رادارات يمكن أن تعيق عمل سلاح الجو الإسرائيلي في المنطقة، خاصة تجاه أهداف إيرانية أو لحزب الله.

مخطط التقسيم.. تغليف سياسي للاحتلال

ما تقترحه “إسرائيل” لا يعدو كونه محاولة لإعادة إنتاج سيناريو تقسيم العراق تحت مسمى “الاستقرار”، لكنها هذه المرة تتخذ من سوريا ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. 

الخريطة المقترحة، بحسب الصحيفة، تسعى لترسيخ وجود الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب السوري، وتحويله إلى واقع دائم تحت غطاء أمريكي، مقابل ترك أنقرة تدير مناطق الشمال.

واللافت أن الصحيفة لا تتردد في اتهام تركيا بالسعي لتشكيل “محور سني” يمتد من سوريا إلى غزة، مرورًا بالأردن والضفة، معتبرة أن هذا “التهديد الأيديولوجي” أخطر على إسرائيل من المحور الشيعي بقيادة إيران.

هنا، تظهر النوايا الاستراتيجية الحقيقية للاحتلال: منع أي تموضع سياسي – ديني في الإقليم خارج الهيمنة الأمريكية – الإسرائيلية، سواء أكان سنياً أو شيعياً.

في هذا الإطار، تعمل “إسرائيل” على تعزيز تحالفاتها مع بعض الأقليات في المنطقة، وعلى رأسها الدروز، وتروّج نفسها كـ”حامٍ لهم”، خاصة في الجنوب السوري والجولان المحتل، وهو ما يعزز من مشروعها التقسيمي القائم على تفتيت البنية الوطنية السورية، وتحويل المكونات المجتمعية إلى أدوات لشرعنة الاحتلال.

من التقسيم العسكري إلى الهيمنة الدائمة

تعتبر إسرائيل أن ما بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، يشكّل فرصة تاريخية لإعادة رسم الخريطة السورية بما يخدم أمنها القومي، كما تراه. 

الخلافات الدولية بشأن مستقبل سوريا، كلّها أدوات استثمار استراتيجي بيد الاحتلال، الذي يعمل على ترجمة هذا الفراغ إلى وقائع على الأرض عبر ضربات جوية، تفاهمات دولية غير معلنة، وتحييد الخصوم.

وفي حين تخشى إسرائيل من أن يؤدي التوسع التركي في سوريا إلى تقويض سيطرتها في الجولان، فإنها تسعى لاستباق الأمور بتدمير البنية التحتية العسكرية السورية، منعاً لوصولها إلى أيدي تركيا أو إيران أو فصائل المعارضة. 

كما تقوم بتحصين جبهتها الشمالية، خشية تمركز “جهاديين سنة” قرب حدودها، في سيناريو تكرار غزة.

من جهة أخرى، تدرك تل أبيب أن أنقرة ليست إيران، وأن عضويتها في حلف الناتو تتيح قنوات تفاهم غير متوفرة مع طهران، لذا تحرص على إبقاء الاتصالات الدبلوماسية غير المباشرة مفتوحة، رغم التصعيد.

وهذا ما يجعل المقترح الإسرائيلي لتقاسم سوريا أداة ضغط تفاوضية أكثر من كونه حلاً أمنياً نهائياً، يستخدمه الاحتلال لانتزاع اعتراف تركي بنفوذه في الجنوب، مقابل غضّ الطرف عن الوجود التركي في الشمال.

التقسيم كأداة للاحتلال لا للحل

ما تطرحه “إسرائيل” ليس حلاً، بل مشروع احتلال مقنّع لتفكيك سوريا وتقاسمها بين قوى الأمر الواقع. وتذرعها بتركيا مجرد غطاء لمشروع توسعي أوسع، يسعى لتحويل الجنوب السوري إلى منطقة نفوذ دائمة تحكمها من الجو وتديرها من خلال الأقليات الموالية. 

إن الصمت الدولي أمام هذا المشروع يُنذر بتحول سوريا إلى “أرض تصفية حسابات”، بدل أن تكون دولة موحدة تملك قرارها السيادي.

اقرأ أيضًا : تصعيد إسرائيلي خطير في جنوب سوريا.. توغل بري واشتباكات مسلحة تسفر عن شهداء