في خطوة جديدة تؤكد تصاعد القلق الدولي من واقع السلطة القضائية في تونس، دعت “المجموعة الأفريقية للاتحاد الدولي للقضاة” السلطات التونسية إلى وضع حد لتدخلاتها المتكررة في قرارات القضاة، محذّرة من أن استمرار هذا التدخل يمثل تهديداً مباشراً لمبدأ استقلال القضاء، أحد أهم أركان الديمقراطية وحماية الحقوق والحريات.

البيان الذي صدر عقب اجتماع المجموعة في مدينة الدار البيضاء المغربية، كان حازماً في لهجته، حيث شدد على “ضرورة ضمان استقلالية القضاء والقضاة، وعدم ممارسة ضغوطات عليهم”، في إشارة إلى ما اعتبرته المجموعة خرقاً جسيماً للمبادئ الدستورية والدولية من قبل السلطات التونسية، وتحديداً في ما يتعلق بإعفاء القضاة واحتجاز بعضهم دون مبررات قانونية واضحة.

كما أعادت المجموعة التذكير بقرارات المحكمة الإدارية التونسية الصادرة عام 2022، التي قضت بإعادة القضاة المعفيين إلى وظائفهم، بالإضافة إلى قرار المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب التي طالبت بتعليق تنفيذ المرسومين عدد 11 و35، اللذين يكرسان السلطة المطلقة لرئيس الجمهورية في التدخل في شؤون القضاء، عبر المجلس الأعلى المؤقت للقضاء ومنحه صلاحية عزل القضاة بشكل منفرد.

القاضي الرحماني.. نموذج صارخ للانتهاكات

من بين أكثر القضايا التي استرعت انتباه المجموعة الأفريقية كانت حادثة اعتقال القاضي حمادي الرحماني، الذي تم عزله في 2022 ضمن موجة الإعفاءات الواسعة التي أصدرها الرئيس قيس سعيد، وجرى اقتحام منزله خلال ديسمبر 2024 واحتجازه قبل أن يُفرج عنه لاحقاً. وقد أدان البيان بشدة ما حدث، واصفاً اعتقاله بأنه “انتهاك صارخ للحصانة القضائية” و”إجراء تعسفي لا يليق بدولة يفترض أنها تحترم القانون”.

الرحماني يُعتبر من أبرز الأصوات الرافضة لتهميش القضاء في تونس، وكان من القضاة الذين عبروا علناً عن رفضهم لمسار 25 يوليو، وهو ما يرجح – وفق مراقبين – أن يكون عزله واحتجازه جزءاً من حملة أوسع تستهدف القضاة غير الموالين للسلطة.

ورغم أن المحكمة الإدارية أكدت عدم قانونية عزله، إلا أن السلطات التونسية تجاهلت هذه الأحكام، وهو ما يمثل سابقة خطيرة تضرب بمبدأ الفصل بين السلطات عرض الحائط.

شلل مؤسساتي وتحكم تنفيذي

الأزمة القضائية في تونس لا تتوقف عند الإعفاءات والاعتقالات، بل تمتد إلى هيكلة المؤسسات نفسها. 

فقد أشارت المجموعة الأفريقية إلى التجميد الكلي للمجلس المؤقت للقضاء العدلي، نتيجة عدم تعيين أعضائه، ما أدى إلى تسيير وزارة العدل لمسارات الترقية والتنصيب القضائي عبر أكثر من 600 مذكرة، دون المرور عبر المسارات القانونية أو المؤسسات المستقلة.

هذا الواقع المؤسسي غير المسبوق، يجعل من وزارة العدل – الخاضعة مباشرة لرئيس الجمهورية – الجهة المتحكمة فعلياً في كل المسارات المهنية للقضاة، في تغييب واضح للسلطة القضائية كمؤسسة دستورية مستقلة، وهو ما ينسجم مع بنود الدستور الجديد الذي لم ينص صراحة على استقلال القضاء، بل حوله إلى “وظيفة” تخضع لرقابة السلطة التنفيذية.

رفض داخلي وخارجي يواجه قمع سعيد

منذ إعلان قيس سعيد في 25 يوليو 2021 عن “التدابير الاستثنائية”، ثم إصداره سلسلة من المراسيم التي عززت سلطته التنفيذية وألغت المجلس الأعلى للقضاء، تصاعدت الأصوات الداخلية والخارجية المنددة بما تصفه بـ”الانقلاب على الديمقراطية”.

وقد نددت منظمات قضائية ونقابات وجمعيات حقوقية تونسية وعالمية، مراراً، بما سمته “قمعاً ممنهجاً لمرفق القضاء”، مشيرة إلى أن محاكم الجمهورية باتت تعمل تحت التهديد والترهيب، وأن عشرات القضاة المعزولين خاضوا إضرابات جوع مميتة على مدى أسابيع دون استجابة من السلطات.

ورغم تأكيد قيس سعيد المتكرر بأنه لا يتدخل في عمل القضاء، إلا أن الحقائق على الأرض والوثائق القانونية والتصريحات الرسمية من هيئات دولية تثبت العكس. حيث يتهمه معارضوه بالتحكم الكامل في القضاء واستخدامه أداة لتصفية خصومه السياسيين والحقوقيين، كما حدث في قضايا مثل احتجاز قضاة، ومحامين، ونشطاء مناهضين للانقلاب.

أفق قاتم ما لم تتحرك المؤسسات الدولية

مع تزايد الضغوط على تونس دولياً، يبقى السؤال الأهم: هل ستتجاوب السلطة مع دعوات المجموعة الأفريقية للاتحاد الدولي للقضاة، وتعيد القضاة المعزولين، وتستأنف العمل بالمؤسسات القضائية المستقلة، أم أن القمع سيتواصل وسط صمت داخلي وانقسام سياسي متصاعد؟

المجموعة الأفريقية، في بيانها، لم تكتف بالإدانة، بل قدمت دعماً صريحاً لجمعية القضاة التونسيين، داعية إلى الوقف الفوري للملاحقات القضائية ضد القضاة، وعودة الشرعية للمؤسسات القضائية المستقلة، وهو موقف يعكس تحوّلاً في موقف المجتمع القضائي الدولي من “الأزمة التونسية”، من المراقبة إلى الضغط المعلن.

وفي حال استمرار السلطة في تجاهل هذه الدعوات، فإن تونس مهددة بفقدان مصداقيتها القانونية والدستورية على المستوى الدولي، مع احتمالات بتوسيع العقوبات أو سحب التعاون القضائي معها، ما سيزيد من عزلتها السياسية والدبلوماسية.

خاتمة

ما تشهده تونس اليوم ليس مجرد أزمة مؤسساتية، بل هو اختبار حقيقي لمستقبل استقلال القضاء في دول شمال أفريقيا، وإذا فُقد هذا الاستقلال، فإن الحريات العامة وسيادة القانون ستصبحان في مهبّ الريح. فهل تعود تونس عن هذا المسار؟ أم أن قيس سعيد مستمر في تفكيك آخر معاقل الديمقراطية؟ الأيام القادمة وحدها ستجيب.

اقرأ أيضًا : آلاف التونسيين يتحدون قمع قيس سعيد ويطالبون بإطلاق سراح المعتقلين