في جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي خصصت لمناقشة الوضع في السودان، تحولت القاعة إلى ساحة مواجهة دبلوماسية مفتوحة بين السفير السوداني الحارث إدريس ونظيره الإماراتي محمد أبو شهاب.

لم تكن الكلمات دبلوماسية هذه المرة، بل مباشرة وصادمة؛ إذ اتهم مندوب السودان، أمام ممثلي العالم، دولة الإمارات بالتورط المباشر في تغذية الحرب وتمويل قوات الدعم السريع، من خلال تزويدها بالطائرات المسيرة والذخائر، وتجنيد المرتزقة، بل وحتى شراء الذهب المنهوب من المناجم السودانية لتمويل التمرد.

“مكانك ليس هنا”.. لحظة القطيعة الأخلاقية

في واحدة من أكثر اللحظات حدة في تاريخ اجتماعات مجلس الأمن بشأن السودان، قال إدريس مخاطباً السفير الإماراتي:

“أشعر بالأسف لرؤيتك جالساً على طاولة مجلس الأمن، فمكانك الحقيقي مع ميليشيات الدعم السريع”.

عبارة تحولت سريعاً إلى عنوان للغضب السوداني تجاه الدور الإماراتي، إذ لم يعد الأمر مجرد تبادل اتهامات سياسية، بل إدانة أخلاقية علنية لدولة عضو في المجلس، تُتهم بأنها تدعم جهة متورطة في جرائم حرب وتطهير عرقي.

مأساة الفاشر: الشاهد الأكبر على الاتهامات

استند السفير السوداني إلى ما يجري في مدينة الفاشر شمال دارفور، واصفاً إياها بأنها أصبحت رمزاً للمجازر الممنهجة منذ أبريل 2023.

وأشار إلى أن المستشفيات نُهبت، ومن بينها المستشفى السعودي الذي شهد مقتل نحو 450 مدنياً من المرضى ومرافقيهم، فيما تتعرض النساء والفتيات للاعتداء في وضح النهار، وتُستخدم أسلحة محرّمة دولياً ضد الفارين.

بهذه الشهادات، وضع إدريس مجلس الأمن أمام مشهد دموي لا يمكن تجاهله، مؤكداً أن هذه الانتهاكات لم تكن لتستمر لولا الدعم الخارجي الذي مكّن الميليشيات من الإفلات من العقاب.

الاتهام المباشر: خرق قرارات مجلس الأمن

اتهم السفير السوداني الإمارات بانتهاك قرارات مجلس الأمن رقم 1591 و2736، واللذين يحظران تزويد الأطراف المتحاربة في دارفور بالسلاح أو التمويل.

وأكد أن الدعم المادي والسياسي الذي تلقته قوات الدعم السريع مكّنها من استخدام الحصار الغذائي كسلاح حرب، ومنع وصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين قبل تنفيذ عمليات الإبادة.

وطالب إدريس باتخاذ خطوات عملية، أبرزها تصنيف قوات الدعم السريع كمنظمة إرهابية، وفرض عقوبات على جميع من يمولها أو يمدّها بالأسلحة والدعم اللوجستي.

نفي إماراتي.. وهروب من الاتهامات

في المقابل، سعى السفير الإماراتي محمد أبو شهاب إلى تهدئة الأجواء بنفي قاطع لأي دور لبلاده في النزاع، واصفاً ما يجري بأنه “مشكلة داخلية يجب أن تُحل بين السودانيين أنفسهم”.

لكن هذا الرد بدا باهتاً وغير مقنع أمام الكمّ الكبير من الاتهامات والوثائق التي تحدث عنها المندوب السوداني، ما جعل بعض المراقبين يرون أن الإمارات اختارت الإنكار بدلاً من المواجهة القانونية والسياسية.

ما وراء المشهد: صراع النفوذ الإقليمي على أرض السودان

تأتي هذه المواجهة في سياق أوسع من صراع النفوذ الإقليمي في السودان، حيث تتنافس قوى عربية وإفريقية على رسم مستقبل البلاد بعد الحرب.

ويرى مراقبون أن اتهام الخرطوم المباشر لأبوظبي يشكّل تحولاً حاداً في الموقف الرسمي السوداني، وربما بداية لقطيعة دبلوماسية أوسع إذا لم يتدخل مجلس الأمن بوضوح.

فالسودان، الغارق في نزاع دموي أودى بحياة الآلاف وشرد الملايين، بات يضع الإصبع على الجرح: من يمول ومن يسلّح ومن يغطي سياسياً.

خلاصة تحليلية

تكشف هذه الجلسة أن السودان لم يعد يقبل سياسة “التوازنات الرمادية” داخل مجلس الأمن، وأنه قرر مواجهة الإمارات علناً بوصفها طرفاً فاعلاً في استمرار المأساة.

وفي المقابل، تجد أبوظبي نفسها في موقف دفاعي دولي متزايد الحرج، بعدما ارتبط اسمها بالنزاعات من اليمن إلى ليبيا وصولاً إلى السودان.

يبقى السؤال الأبرز بعد هذا التلاسن:

هل يتحرك مجلس الأمن فعلاً لمساءلة من يغذّي الحرب في السودان؟

أم أن الجلسة ستُضاف إلى سجل الخطابات التي لا تُغيّر شيئاً في الميدان؟

اقرأ أيضا: الإمارات متورطة.. “الدعم السريع” ترتكب مجزرة جديدة في الفاشر وتقتل 2000 مدني تحت أنظار العالم