أثار مشروع قانون جديد مطروح أمام مجلس النواب الأمريكي، موجة واسعة من الانتقادات والقلق في أوساط منظمات الحريات المدنية وحقوق الإنسان، بعد أن تبيّن أنه يمنح وزير الخارجية ماركو روبيو سلطات استثنائية تتيح له سحب جوازات السفر من مواطنين أمريكيين استنادًا فقط إلى آرائهم السياسية أو نشاطهم التعبيري.

المشروع، الذي قدّمه النائب الجمهوري المتشدد براين ماست (عن ولاية فلوريدا)، سيُعرض على جلسة استماع الأربعاء المقبل وفق ما نقل موقع “ذا إنترسبت”، ويحتوي على بنود تتيح لوزير الخارجية إلغاء أو رفض إصدار جوازات سفر لأي شخص أُدين أو حتى وُجّهت له مجرد تهمة بتقديم “دعم مادي للإرهاب”، دون الحاجة لقرار قضائي.

الأخطر من ذلك أن القانون يفتح الباب أمام سحب الجوازات لمجرد “اعتقاد الوزير” بأن الشخص قدّم دعمًا أو مساعدة لمنظمة مُدرجة على قائمة “المنظمات الإرهابية الأجنبية”، دون الحاجة لإثبات أو مسار قضائي.

 

سجل روبيو يثير المخاوف: من تأشيرات الإقامة إلى جوازات السفر

تأتي هذه الخطوة في ظل سجل مثير للجدل لروبيو فيما يتعلق باستهداف النشطاء المناصرين لفلسطين، إذ سبق أن تباهى علنًا بإلغاء تأشيرات إقامة دائمة (غرين كارد) وتأشيرات دخول لعدد من المهاجرين لمجرد تعبيرهم عن دعمهم للفلسطينيين أو انتقادهم لإسرائيل، واصفًا إياهم بـ”أنصار حماس”.

من بين الحالات البارزة، الناشط الطلابي محمود خليل، الذي أوقفته شرطة الهجرة بعد أن ألغى روبيو إقامته الدائمة رغم عدم توجيه أي تهمة رسمية بحقه، والطالبة روميسا أوزتورك من جامعة تافتس التي أُلغيت تأشيرتها بعد مشاركتها في مقال رأي يدعو جامعتها لسحب استثماراتها من إسرائيل، بحسب منصة “كومن دريمز”.

هذه الحوادث السابقة تعزز المخاوف من أن يمنح القانون الجديد روبيو غطاءً قانونيًا دائمًا لتكرار هذه الإجراءات التعسفية ولكن على نطاق أوسع، بما يشمل سحب جوازات سفر لمواطنين أمريكيين مولودين داخل البلاد، وليس فقط لمهاجرين أو طلاب وافدين.

ماست.. جندي سابق في جيش الاحتلال وخصم شرس للنشطاء المؤيدين لفلسطين

النائب براين ماست الذي يقف خلف المشروع، يُعرف بمواقفه المتطرفة في دعم الاحتلال الإسرائيلي؛ إذ خدم سابقًا في جيش الاحتلال وأدلى بتصريحات صادمة قال فيها إن “الأطفال الفلسطينيين ليسوا مدنيين أبرياء”. كما دعا مرارًا إلى طرد من يصفهم بـ”المتعاطفين مع الإرهاب” من الولايات المتحدة، في إشارة إلى النشطاء المؤيدين لفلسطين.

يرى مراقبون أن مشروعه التشريعي هذا هو امتداد لمحاولات متكررة لتيار اليمين الأمريكي، وخاصة خلال إدارة ترامب، لتجريم أي نشاط سياسي أو إعلامي يناهض الاحتلال الإسرائيلي، عبر توسيع تعريف “الدعم المادي للإرهاب” ليشمل حتى الخطاب السلمي والآراء السياسية. وقد استخدمت إدارة ترامب هذا التكتيك سابقًا لترحيل بعض النشطاء المؤيدين لفلسطين أو حرمانهم من الإقامة القانونية دون أي إدانة جنائية.

منظمات حقوقية: “روبيو سيكون القاضي والجلاد”

القلق الحقوقي تزايد بعد تحذيرات صريحة من الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية (ACLU)، الذي وصف مشروع القانون بأنه انتهاك صارخ للدستور ومحاولة لتكميم الأفواه المعارضة.

قال المستشار القانوني البارز في الاتحاد، كيا حمادانشي، إن “من تتم إدانتهم فعلًا بدعم الإرهاب سيكونون في السجن أصلًا وغير قادرين على السفر، لذلك من غير المنطقي أن يقدّم شخص دعمًا ماديًا للإرهاب دون أن يُحاكم”. وأضاف أن القانون الجديد يتجاوز القضاء تمامًا، ليمنح الوزير سلطة فردية مطلقة دون معايير واضحة، ما يعني أن “القرار في النهاية بيد الوزير نفسه الذي يصدر الحكم مسبقًا دون محاكمة”.

الصحفي الأمريكي زيد جلاني قال عبر منصة إكس إن “القضاة يملكون أصلًا صلاحية سحب جواز السفر في حال وجود دعم مادي للإرهاب، لكن الفرق أن هناك إجراءات قضائية تضمن العدالة. أما هذا القانون فسيجعل ماركو روبيو هو القاضي وهيئة المحلفين والمنفذ في آن واحد”.

إرث ترامب: تلاعب بالقوانين لتجريم الخطاب السياسي

يرى محللون أن مشروع القانون الجديد لا يمكن فهمه إلا ضمن إرث إدارة ترامب في تسييس قوانين الهجرة والأمن القومي لتجريم المعارضة السياسية، خاصة المعارضة المؤيدة للفلسطينيين. فقد استخدمت إدارة ترامب سابقًا تهم “الدعم المادي للإرهاب” كذريعة لإلغاء إقامات وتأشيرات نشطاء دون محاكمات، مستندة إلى صلاحيات تنفيذية واسعة وغياب الرقابة القضائية.

الآن، يذهب مشروع ماست خطوة أبعد، إذ يسعى إلى تقنين هذا النهج وتحويله إلى أداة دائمة في يد وزير الخارجية، لحرمان الأمريكيين أنفسهم من جوازات سفرهم دون الحاجة لأي حكم قضائي. ويخشى الحقوقيون أن يؤدي هذا إلى خلق أجواء ترهيب واسعة ضد أي نشاط سياسي معارض للسياسات الأمريكية أو الداعمة لإسرائيل، وتحويل تهمة “الدعم المادي للإرهاب” إلى سيف مسلط على حرية التعبير.

خاتمة: نحو شرعنة القمع السياسي

بينما يستعد الكونغرس لجلسة الاستماع المرتقبة حول مشروع القانون، يتصاعد التحذير من أنه يمثل انزلاقًا خطيرًا نحو شرعنة القمع السياسي داخل الولايات المتحدة، ويحوّل جواز السفر – الذي يعد حقًا أساسيًا للمواطنين – إلى أداة ابتزاز سياسي.

ويرى منتقدو المشروع أن تمريره سيكرّس سابقة خطيرة تتيح للإدارات المستقبلية استخدام سلطة سحب الجوازات لمعاقبة المعارضين السياسيين، في تكرار لنمط التلاعب الذي اتبعته إدارة ترامب، لكن هذه المرة تحت غطاء قانوني رسمي، بما يهدد جوهر الحريات المدنية في البلاد.

اقرأ أيضًا : وفاة إمام مسجد في بغداد تثير جدلاً واسعاً.. اتهامات لـ”المدخلية” بالتورط في الحادثة