أشعلت حادثة وفاة الشيخ عبد الستار القرغولي، إمام وخطيب أحد مساجد منطقة الدورة جنوب العاصمة العراقية بغداد، موجة واسعة من الجدل والاستنكار الشعبي والديني، بعدما وجّهت أصابع الاتهام إلى ما يُعرف بـ”الجماعة المدخلية” بالوقوف وراء الاعتداء الذي أودى بحياته.
ورغم صدور أوامر حكومية بفتح تحقيق رسمي في الحادثة، فإن الملابسات الغامضة المحيطة بها فجّرت نقاشاً محتدماً حول الدور الخفي الذي تمارسه التيارات الدينية الموالية للسلطات، وعلى رأسها التيار المدخلي، في المشهد الديني والاجتماعي العراقي.

حادثة أثارت الشارع وأحرجت الحكومة
بدأت القصة حين تعرّض الشيخ القرغولي لمحاولة منع قسرية من إلقاء خطبة الجمعة في المسجد، حيث أشارت شهادات مصلين وشهود عيان إلى أن مجموعة من الأشخاص حاولوا منعه بالقوة، واعتدوا عليه جسدياً، ما أدى إلى نقله إلى المستشفى حيث فارق الحياة متأثراً بإصاباته. وعلى إثر موجة الغضب الشعبي التي تلت الإعلان عن وفاته، أصدر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني قراراً عاجلاً بتشكيل لجنة تحقيقية عليا، تضم قيادة عمليات بغداد ووزارة الداخلية وجهاز الأمن الوطني، لكشف ملابسات الحادثة ومحاسبة المتورطين.
وأكد السوداني أن الحكومة “لن تتهاون في محاسبة أي جهة يثبت التحقيق تورطها أو تقصيرها في حماية الإمام”، داعياً في الوقت نفسه إلى “ترسيخ قيم التسامح والتعايش السلمي، والابتعاد عن كل مظاهر التحريض والكراهية حفاظاً على السلم المجتمعي ووحدة النسيج الوطني”. غير أن هذه الدعوات لم تُخمد الجدل، بل زادته اشتعالاً، خصوصاً بعد أن بدأت الاتهامات تُوجّه مباشرة إلى التيار المدخلي المعروف بولائه الشديد للسلطات وخصومته العنيفة مع خصومه الفكريين.
اتهامات مباشرة للتيار المدخلي واتهام بالتواطؤ الأمني
بيانات رسمية صدرت عن أئمة وخطباء في بغداد حمّلت التيار المدخلي المسؤولية الكاملة عن مقتل الشيخ القرغولي، واعتبرته “شهيداً قضى على يد متطرفين مدفوعين بأجندات سياسية”. وأشار البيان إلى أن المدخلية دأبت في الآونة الأخيرة على محاولة فرض سيطرتها على بعض المساجد السنية في بغداد ومناطق أخرى، مستخدمةً نفوذها السياسي وعلاقاتها الوثيقة مع بعض الأجهزة الأمنية.
من جهتها، أصدرت هيئة علماء المسلمين في العراق بياناً نددت فيه بما وصفته بـ”الاعتداء السافر المدفوع بخلفيات فكرية منحرفة”، مؤكدة أن عناصر من التيار المدخلي استعانوا بجهاز الأمن الوطني لمنع الشيخ من اعتلاء المنبر. واعتبرت الهيئة أن هذه الحادثة تكشف عن “تخادم بين بعض المجموعات ذات التوجهات الفكرية الضيقة، وبين أطراف في السلطة الحاكمة وعدد من السياسيين المتنفذين”، مشيرة إلى أن “مثل هذه الممارسات تنذر بعواقب وخيمة على النسيج المجتمعي الهش في العراق”.
جدير بالذكر أن مستشارية الأمن القومي كانت قد أدرجت في وقت سابق التيار المدخلي ضمن قائمة الحركات المصنفة “عالية الخطورة”، قبل أن تتراجع عن هذا التصنيف لاحقاً في خطوة أثارت جدلاً كبيراً، إذ رآها منتقدون خضوعاً لضغوط سياسية ورضوخاً لنفوذ الجماعة داخل بعض المؤسسات الرسمية.
المدخلية.. تيار يُمجّد الحكّام ويزرع الفُرقة
تُعد الجماعة المدخلية، التي تنتسب فكرياً إلى الشيخ السعودي ربيع المدخلي، من أبرز التيارات السلفية الموالية للسلطات الحاكمة في العالم العربي. ويقوم منهجها على طاعة ولي الأمر طاعةً مطلقة، واعتبار أي معارضة سياسية أو فكرية له ضرباً من الفتنة والخروج المحرّم، وهو ما جعلها أداة مثالية للأنظمة الاستبدادية التي تسعى لتدجين الخطاب الديني وضمان ولاء المنابر. وقد عُرفت الجماعة بعدائها الشديد للتيارات الإسلامية المعارضة، خاصة جماعة الإخوان المسلمين والسلفيين الجهاديين، حيث تصفهم دوماً بـ”الخوارج” و”أهل البدع”.
وفي عدد من الدول العربية، استُخدم هذا التيار كذراع ديني للسلطات لتفكيك الحركات الإسلامية الثورية، كما حدث في ليبيا حيث دعمت الميليشيات المدخلية اللواء المتقاعد خليفة حفتر، وفي مصر حيث لعبت دوراً في تبرير القمع الدموي لثورة يناير، فضلاً عن تمددها في بعض دول الخليج بدعم مباشر من الأجهزة الأمنية. ويقول منتقدوها إن المدخلية لا تؤمن بالتعددية أو حرية التعبير، بل تسعى إلى إحكام السيطرة على المجال الديني من خلال الولاء الأعمى للحاكم وتكفير أي معارضة، ما يجعلها تياراً خطيراً على التماسك الاجتماعي والسلم الأهلي.
حادثة تكشف أزمة أعمق في المشهد الديني العراقي
تكشف حادثة مقتل الشيخ القرغولي عن أزمة أعمق تتجاوز مجرد حادثة فردية، فهي تعكس تغوّل التيارات المؤدلجة الموالية للسلطة داخل المجال الديني، وتواطؤ بعض الأجهزة الرسمية معها في إقصاء الأصوات المستقلة أو الناقدة. كما تفضح هشاشة الضوابط التي تحكم إدارة الشأن الديني في العراق، وغياب آليات واضحة لحماية استقلال المنابر من الاختراق السياسي أو الفكري.
ويرى مراقبون أن ترك التيار المدخلي وأمثاله يعبثون بالمشهد الديني من دون محاسبة، يهدد بتمزيق ما تبقى من النسيج الاجتماعي العراقي المنهك، ويعيد إنتاج أنماط العنف الطائفي والفكري التي عانى منها العراقيون طويلاً. ولعل إعادة النظر في علاقة الدولة بالمجال الديني، ووضع ضوابط صارمة تمنع تسيس المساجد أو تحويلها إلى أدوات لتصفية الخصوم، باتت ضرورة ملحة للحفاظ على الاستقرار والسلم المجتمعي في العراق.
اقرأ أيضا : محاولا كسب الوقت لصالح الاحتـ.ـلال.. ترامب يتعهد بـ«تسوية الوضع» في غزة