في خرق جديد لاتفاق وقف إطلاق النار، أفاد مصدر طبي في المستشفى المعمداني باستشهاد ثلاثة فلسطينيين برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي أثناء عودتهم لتفقد منازلهم في منطقة الشعف بحي التفاح شرقي مدينة غزة. الحادثة، التي وُصفت بأنها “اغتيال ميداني متعمد”، جاءت في وقت يفترض فيه أن يسود الهدوء القطاع بعد اتفاق وقف الحرب الموقع برعاية دولية، غير أن إسرائيل واصلت سلوكها الميداني العدواني دون اكتراث للاتفاق أو للوساطات الجارية.

وأكّد جهاز الدفاع المدني في غزة أن قوات الاحتلال انتهكت وقف إطلاق النار مجددًا، عبر قصفها مناطق متفرقة في وسط القطاع وخان يونس ورفح، مشيرًا إلى أن الهجمات استهدفت على نحو خاص مدارس تؤوي نازحين فرّوا من مناطق دُمرت بالكامل خلال الحرب. هذا الاستهداف المتكرر للمؤسسات المدنية والإنسانية يعكس – وفق مراقبين – سياسة إسرائيلية ممنهجة للضغط على السكان وعرقلة جهود الإغاثة بعد الكارثة التي خلّفتها الحرب.

كارثة إنسانية تتفاقم

في السياق ذاته، أعلن مستشفى العودة أن طواقمه استقبلت خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية 24 شهيدًا و74 مصابًا جراء القصف الإسرائيلي الذي طال مخيمات وسط قطاع غزة. هذه الأرقام تعيد إلى الأذهان مشاهد الحرب الدامية التي ظنّ الفلسطينيون أنها انتهت مع توقيع الهدنة.

أما في الجنوب، فأوضحت بلدية خان يونس أن 300 كيلومتر من أصل 400 من شبكة المياه دُمرت بالكامل، إضافة إلى 220 كيلومترًا من أصل 300 في شبكة الصرف الصحي. وقالت البلدية إن آليات إزالة الركام متهالكة ولم تُدخل إسرائيل أي معدات منذ عام 2007، ما يجعل من عملية إعادة الإعمار شبه مستحيلة في ظل الحصار الممتد منذ 18 عامًا.

هذا التدهور الحاد في البنية التحتية يهدد بتفشي الأوبئة وانهيار النظام البيئي في المدينة، في وقت يواصل فيه النازحون العيش في مدارس مكتظة وخيام بدائية وسط نقص حاد في المياه الصالحة للشرب والكهرباء والدواء.

تلاعب الاحتلال بالهدنة وتبريرات واهية

من جانبه، زعم جيش الاحتلال الإسرائيلي أن قواته “منتشرة وفق اتفاق وقف إطلاق النار”، وأنها تتعامل فقط مع “التهديدات المباشرة”. لكنه أضاف أنه رصد مجموعتين من المسلحين تجاوزتا “الخط الأصفر” في حي الشجاعية فأطلق النار عليهما. هذا التبرير المكرّر يعيد نمط السلوك الإسرائيلي الذي يعيد تعريف بنود الاتفاق بما يخدم أجندته العسكرية.

ويرى مراقبون أن إسرائيل تتعمد اختلاق ذرائع أمنية لتبرير خروقاتها، في الوقت الذي تسعى فيه إلى فرض واقع ميداني جديد يضمن استمرار وجودها في مناطق الانسحاب المؤقت. كما تشير تقارير فلسطينية إلى أن إسرائيل لم تلتزم بالبروتوكول الإنساني المرافق للاتفاق، وواصلت منع دخول المساعدات في عدة أيام، وهو ما أكده مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) في تقاريره الأخيرة.

وساطات هشة ومطالبات دولية

وفي محاولة لاحتواء التصعيد، كشفت مصادر فلسطينية للجزيرة أن اتصالات الوسطاء – وعلى رأسهم قطر ومصر وتركيا – نجحت أمس في إعادة الأوضاع إلى ما قبل الخرق، مع بدء مشاورات جديدة لوضع آلية ملزمة قانونيًا لوقف أي خروقات إسرائيلية مستقبلية. إلا أن هذه الوساطات ما تزال تصطدم برفض إسرائيلي لإشراك أطراف دولية في الرقابة الميدانية على تنفيذ الهدنة، ما يجعل أي اتفاق هشًّا وعرضة للانهيار في أي لحظة.

من جانبه، دعا وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو كلا من إسرائيل وحركة حماس إلى الالتزام ببنود الاتفاق، مطالبًا بفتح جميع المعابر لإدخال المساعدات. وأكد أن الاتحاد الأوروبي مستعد للمساهمة في نشر قوة شرطة فلسطينية بإشراف دولي لضمان استقرار الوضع الإنساني.

أما وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، فقد شدّد على ضرورة إدخال الجرافات والآليات الثقيلة للمساعدة في انتشال الضحايا من تحت الركام، واصفًا الوضع في غزة بأنه “الأكثر مأساوية منذ الحرب العالمية الثانية من حيث حجم الدمار والكثافة السكانية المتضررة”.

فتح المعابر والدمار الشامل

مراسل الجزيرة أفاد بأن سلطات الاحتلال أعادت صباح اليوم فتح معبري كرم أبو سالم وكيسوفيم لإدخال المساعدات الإنسانية بعد أن أغلقتْهما أمس بالتزامن مع القصف، في خطوة وُصفت بأنها “استعراض إعلامي” يهدف إلى امتصاص الضغوط الدولية دون تغيير حقيقي على الأرض.

ويُذكر أن اتفاق وقف إطلاق النار أنهى حرب إبادة جماعية بدأت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وأسفرت عن 68 ألفًا و159 شهيدًا و170 ألفًا و203 مصابين، معظمهم من النساء والأطفال، فضلًا عن تدمير 90% من البنية التحتية المدنية في القطاع، وفق إحصاءات وزارة الصحة الفلسطينية.

خاتمة: هدنة على الورق واحتلال يفرض منطقه

تكشف الخروقات المتكررة أن إسرائيل تتعامل مع اتفاق وقف إطلاق النار كغطاء مؤقت لتكريس سيطرتها الميدانية والسياسية، لا كالتزام قانوني أو إنساني. وبينما تتحدث عن “دفاع عن النفس”، تواصل استهداف المدنيين والمدارس والمستشفيات، في ما يبدو محاولة لإفشال أي مسار يفضي إلى استقرار القطاع أو محاسبتها دوليًا.

وفي ظل غياب ردع دولي حقيقي، يظل وقف إطلاق النار هدنة شكلية تتلاعب بها إسرائيل متى شاءت، بينما يواجه الفلسطينيون مصيرًا قاتمًا بين الركام، في انتظار موقف عالمي أكثر جدية يعيد تعريف العدالة لا على مقاس القوة، بل على مقاس الإنسان.

اقرأ أيضًا : المقاومة تلتزم واتفاق شرم الشيخ يُخرق.. حماس توثّق جرائم الاحتلال وتطالب بمحاسبته