دخل اتفاق وقف إطلاق النار بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي حيّز التنفيذ ظهر الجمعة، فاتحًا الباب أمام مرحلة جديدة من التعقيد السياسي والتفاوضي، بعد عامين من الحرب المدمّرة على قطاع غزة. 

في هذا السياق، كشف القيادي في حركة حماس موسى أبو مرزوق عن تفاصيل دقيقة من الاتفاق، مشيرًا إلى بدء عملية تبادل الأسرى الاثنين المقبل، ومؤكدًا أن المقاومة لن تقبل ببقاء الاحتلال في أي جزء من القطاع، في وقت بدأت فيه ترتيبات لمشاركة قوات أجنبية لمراقبة التنفيذ، لكن خارج حدود غزة.

 

مرحلة تبادل الأسرى.. ورقة ضغط حماس

قال أبو مرزوق إن عمليات تبادل الأسرى مع الاحتلال الإسرائيلي ستبدأ الاثنين المقبل، ضمن المرحلة الأولى من الاتفاق الذي رعته كل من قطر ومصر وتركيا، مؤكدًا أن حماس تملك أوراق تفاوض قوية، وأن ملف الأسرى ظلّ على الدوام أحد الذرائع التي يستخدمها نتنياهو لتبرير استمرار الحرب.

وأوضح أن الحركة تتعامل بجدية مع الملف الإنساني، وتسعى لإطلاق قادة الشعب الفلسطيني من سجون الاحتلال، لكن دون تنازل عن المبادئ أو الثوابت. وأضاف أن هناك توجّهًا داخل الحركة لعدم تحويل عملية التسليم إلى احتفال عسكري أو إعلامي، في خطوة تهدف لإظهار النضج السياسي والحرص على المصلحة الوطنية العليا، بعيدًا عن أي استعراض.

وبحسب وثيقة الاتفاق التي نشرتها هيئة البث العبرية، فإن حماس ستفرج عن الأسرى الإسرائيليين الأحياء خلال 72 ساعة من تصديق الحكومة الإسرائيلية على الاتفاق، على أن يتم تسليم معلومات عن القتلى والمفقودين إلى آلية مشتركة بمشاركة الصليب الأحمر والدول الوسيطة. هذه البنود، وفق مراقبين، تشير إلى أن المقاومة تدير الملف باحترافية سياسية تحرج الاحتلال الذي طالما تلاعب بمعاناة الأسرى الفلسطينيين في سجونه.

الانسحاب إلى “الخط الأصفر”.. تلاعب إسرائيلي جديد

وفيما أعلن جيش الاحتلال انسحابه إلى ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، قال أبو مرزوق إن الخطوط التي رسمها الاحتلال “عشوائية وغير دقيقة”، مشيرًا إلى أنه ما زال يسيطر فعليًا على 53% من مساحة القطاع. وأكد أن المقاومة “لن تقبل بأي شكل من أشكال البقاء الإسرائيلي في المواقع الحالية”، ما يعني أن المرحلة المقبلة قد تشهد مفاوضات معقدة حول خريطة الانتشار العسكري وتفسير خطوط الانسحاب.

ويُفهم من تصريحات أبو مرزوق أن الاحتلال يسعى لفرض أمر واقع ميداني من خلال الإبقاء على نقاط سيطرة استراتيجية، بهدف استخدام الانسحاب الجزئي كورقة ضغط سياسية في المراحل التالية من المفاوضات. غير أن المقاومة تبدو مصممة على إفشال هذه المناورة، معتبرة أن الانسحاب الكامل شرط لا رجعة فيه لأي سلام أو هدنة طويلة الأمد.

وتأتي هذه التطورات وسط انتقادات واسعة داخل إسرائيل نفسها، حيث يرى محللون أن نتنياهو يستخدم اتفاق تبادل الأسرى كغطاء لإعادة تموضع قواته، لا كخطوة حقيقية نحو إنهاء الحرب، في محاولة لتخفيف الضغط الداخلي من عائلات الأسرى والرأي العام الإسرائيلي.

القوات الأجنبية.. خارج غزة أم مقدمة لوصاية؟

من النقاط الأكثر حساسية في تصريحات أبو مرزوق ما كشفه حول “وجود قوات أجنبية” أرسلتها الولايات المتحدة لمراقبة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، موضحًا أن هذه القوات “لن تتموضع داخل غزة بل في إسرائيل”. ويبدو أن واشنطن تسعى لتأمين مراقبة ميدانية دون الظهور بمظهر المحتل الجديد للقطاع، لتفادي رفض فلسطيني واسع.

لكنّ القيادي الحمساوي أشار في الوقت نفسه إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد نقاشًا أوسع حول فكرة نشر قوات حفظ سلام في غزة والضفة الغربية، وهو ما أثار تساؤلات حول إمكانية عودة نموذج “الوصاية الدولية” التي ترفضها الفصائل الفلسطينية جملة وتفصيلًا.

وفي بيان مشترك، أعلنت حركات حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية رفضها القاطع لأي “وصاية أجنبية على غزة”، مؤكدة أن إدارة القطاع شأن فلسطيني داخلي، وأن أي وجود أجنبي —مهما كانت مبرراته— يمثل مساسًا بالسيادة الوطنية. لكنها أبدت انفتاحًا على “مشاركة عربية ودولية في إعادة الإعمار والتنمية”، ما يفتح الباب أمام صيغة توازن بين الرفض السياسي والموافقة على الدعم الإنساني.

التوافق الوطني.. مخرج من الأزمة

على الصعيد الداخلي، دعا أبو مرزوق السلطة الفلسطينية إلى عقد لقاء وطني جامع “للتوافق على القضايا الكبرى”، مؤكدًا أن حماس “لن تقرر مصير الشعب الفلسطيني بمفردها”. وأشار إلى أن قبول الحركة بخطة ترامب ووقف إطلاق النار جاء من منطلق “المصلحة المطلقة للشعب الفلسطيني”، وليس كتنازل سياسي.

هذه الدعوة إلى التوافق تمثل، في نظر مراقبين، رسالة مزدوجة: الأولى موجهة للسلطة الفلسطينية بأن حماس مستعدة للانخراط في مشروع وطني مشترك؛ والثانية موجهة للمجتمع الدولي بأن المقاومة لا تسعى للانفراد بالحكم في غزة، بل لإدارة توافقية تمثل جميع الفصائل.

خاتمة: بين مناورة الاحتلال وصلابة المقاومة

يظهر من تصريحات موسى أبو مرزوق أن المقاومة الفلسطينية تتعامل مع الاتفاق بروح الحذر والمسؤولية، مقابل تلاعب واضح من جانب الاحتلال الإسرائيلي في تطبيق بنوده. فبينما تحاول تل أبيب تثبيت واقع ميداني جديد وإبقاء سيطرتها على نصف القطاع تقريبًا، تواصل المقاومة تثبيت موقفها القائم على الانسحاب الكامل ورفض أي وصاية أجنبية.

وبينما تتجه الأنظار إلى يوم الاثنين، موعد بدء عملية تبادل الأسرى، يبدو أن هذا الاتفاق لن يكون نهاية الصراع، بل بداية مرحلة جديدة من “المعركة السياسية”، التي ستكون فيها الأوراق بيد المقاومة أكثر من أي وقت مضى، في ظل انكشاف عجز الاحتلال عن فرض شروطه بعد عامين من حرب الإبادة.

اقرأ أيضًا : إسرائيل تُفشل إطلاق مروان البرغوثي في اللحظة الأخيرة.. مناورة نتنياهو التي تهدد اتفاق التبادل