بقلم : محمود المنصور 

تواصل الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة الانحدار نحو مستويات كارثية، في وقت تتراكم فيه عوامل القهر ما بين الحصار الإسرائيلي الممنهج، والخروقات المتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار، والدمار الواسع الذي خلّفه المنخفض الجوي الأخير الذي ضرب القطاع الثلاثاء، متسببا في إتلاف آلاف الخيام ومراكز النزوح. وبينما يعيش مئات الآلاف من النازحين في ظروف قاسية داخل مخيمات تفتقر لأبسط مقومات الحياة، تتبدى الصورة الأشد قتامة في عجز الأطراف الدولية والوسطاء عن إلزام الاحتلال بتنفيذ تعهداته، ورفع القيود عن إدخال مواد الإيواء والتدفئة والطاقة والمياه والصرف الصحي، ما جعل العاصفة الأخيرة تتحول إلى كارثة إنسانية مضاعفة.

وأكد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، الأربعاء، أن المنخفض الجوي تسبب في تضرر نحو 22 ألف خيمة للنازحين، وترك أكثر من 288 ألف أسرة دون حماية في مواجهة البرد والأمطار. وأوضح مدير المكتب إسماعيل الثوابتة، أن تقديرات الخسائر بلغت 3.5 ملايين دولار، بعد أن غمرت المياه مساحات واسعة من المخيمات، وحولتها إلى مناطق غير صالحة للإيواء، في ظل تلف شبكات الصرف الصحي البدائية وغرق المدارس المستخدمة كمراكز نزوح وتعطل شبكات المياه المؤقتة.

وأشار الثوابتة في حديثه لوكالة “الأناضول” إلى أن القطاع الغذائي تكبد خسائر واسعة مع تلف كميات كبيرة من المواد الغذائية وفقدان مساعدات كانت معدة للتوزيع، إلى جانب تعطل أكثر من 10 نقاط طبية متنقلة وفقدان أدوية ومستلزمات ضرورية بسبب صعوبة الحركة في المناطق الغارقة، مضيفا أن المنخفض تسبب أيضا في انجراف وتدمير معدات الطاقة البديلة داخل المخيمات، بما في ذلك ألواح الطاقة الشمسية التي يعتمد عليها النازحون وسط انقطاع الكهرباء شبه الكامل.

ورغم أن هذه الخسائر البيئية والمناخية كان يمكن احتواؤها بتوفير مستلزمات الإيواء المناسبة، إلا أن الاحتلال – وفق الثوابتة – يواصل منع دخول الخيام ومواد العزل والتدفئة والطاقة والصرف الصحي، في خرق واضح للالتزامات الإنسانية المنصوص عليها في اتفاق وقف إطلاق النار، وانتهاك صريح للقانون الدولي الإنساني. وقال إن الاستجابة الدولية “محدودة للغاية ولا تتناسب مع حجم الكارثة”، رغم مطالبة الحكومة مرارا بتوفير 300 ألف خيمة وبيت متنقل.

المنخفض الجوي يكشف هشاشة الحياة في المخيمات ويضاعف الأخطار الصحية

مع غرق الخيام وتراكم المياه داخل المخيمات، باتت آلاف العائلات تواجه مخاطر صحية مباشرة، أبرزها انتشار الأمراض الجلدية والتنفسية، وتلوث المياه، وتعطل شبكات الصرف البديلة، في ظل غياب شبه كامل للرعاية الطبية. ووفق تحذيرات أممية، فإن الوضع يهدد حياة الرضع وكبار السن والمرضى وذوي الإعاقة بشكل خاص، نظرا لانخفاض درجات الحرارة ونقص الأغطية والتدفئة.

وكان المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك قد حذر الثلاثاء من أن عائلات نازحة تواجه خطر الفيضانات داخل ملاجئ سيئة وغير آمنة، مؤكدا أن المواطنين “معرضون للخطر بشكل كبير”، وأن القيود الإسرائيلية المستمرة تعرقل دخول المساعدات الحيوية وعمل منظمات الإغاثة بما فيها شركاء الأمم المتحدة. وشددت تقارير أممية سابقة على أن الاحتلال يتنصل من التزامات الاتفاق الذي نص صراحة على فتح المعابر والسماح بإدخال مواد الإيواء وبيوت متنقلة.

وتسبب المنخفض الجوي المصحوب بالأمطار الغزيرة في غرق عشرات الخيام في منطقة المواصي بمدينة خان يونس، وسط تحذيرات محلية ودولية من تحول الوضع إلى كارثة إنسانية يصعب احتواؤها، خصوصا مع استمرار منع الاحتلال إدخال مواد الطوارئ.

تجاهل الوسطاء وتراخي الضمانات الدولية يفاقم الكارثة

ورغم أن اتفاق وقف إطلاق النار تم بوساطة مصر وقطر وتركيا وبرعاية أمريكية، فإن الأطراف الضامنة – وفق مسؤولين في غزة – لم تمارس أي ضغط فعلي لإجبار الاحتلال على الالتزام ببنود الاتفاق، خاصة ما يتعلق بالمساعدات والإيواء. ودعا الثوابتة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكل مباشر إلى “تحرك فوري” لإلزام الاحتلال برفع القيود، محذرا من أن استمرار المنع “سيزيد المعاناة الإنسانية إلى مستويات يصعب احتواؤها”.

ويحتاج قطاع غزة – حسب الجهات الحكومية – إلى 300 ألف خيمة ووحدة سكنية مسبقة الصنع لتلبية أبسط احتياجات الفلسطينيين من المأوى بعد أن دمرت إسرائيل البنية التحتية خلال عامين من الإبادة، والتي أدت إلى استشهاد أكثر من 69 ألف فلسطيني وإصابة نحو 171 ألفا. وتقدر الأمم المتحدة تكلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار نتيجة الدعم الأمريكي المستمر للعدوان.

وفي ظل هذا الواقع، يرى محللون أن المنخفض الجوي لم يكن سوى عامل كشف حجم الإهمال والدمار وانعدام مقومات الحياة داخل غزة، وأن الخطر الأكبر يتمثل في استمرار الاحتلال في تجويع وتشريد وإذلال السكان، مقابل صمت دولي ووسطاء غير قادرين أو غير راغبين في الضغط، ما يجعل الأزمة الإنسانية مرشحة للتفاقم خلال الأسابيع المقبلة، ما لم يحدث تحرك دولي حقيقي يتجاوز البيانات والقلق اللفظي.

اقرأ أيضًا : من الإغاثة إلى الموت.. مؤسسة تحاصر الجائعين بالرصاص وترحل وسط مطالب بالمحاسبة