أصدر المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر بيانًا رسميًا، الاثنين، ناشد فيه عبد الفتاح السيسي إصدار عفو رئاسي عن الناشط السياسي علاء عبد الفتاح وستة آخرين من النشطاء بعد رفع أسمائهم من قوائم الإرهاب لانقضاء المدة القانونية. البيان أشار إلى أن المناشدة جاءت استجابة لالتماسات مقدمة من أسر المعتقلين الذين يعانون ظروفًا إنسانية وصحية صعبة، مؤكّدًا أن ممارسة الرئيس لحق العفو تعكس “بعدًا إنسانيًا يجسد اهتمام الدولة بالأسرة المصرية”.
القائمة التي رفعها المجلس شملت إلى جانب علاء عبد الفتاح أسماء: سعيد مجلي الضو عليوة، كرم عبد السميع إسماعيل السعدني، ولاء جمال سعد محمد، محمد عوض عبده محمد، محمد عبد الخالق عبد العزيز عبد اللطيف، ومنصور عبد الجابر علي عبد الرازق. وتأتي الخطوة في وقت تتزايد فيه التكهنات حول إمكانية انفراجة قريبة في ملف أبرز سجناء الرأي في مصر.

علاء عبد الفتاح.. أيقونة الثورة وسجين النظام
منذ أكثر من عقد، يُعد علاء عبد الفتاح أحد أبرز رموز ثورة 25 يناير وصوتًا معارضًا لنظامي مبارك ثم المجلس العسكري، وصولًا إلى نظام السيسي. أدرج اسمه عام 2018 على قوائم الإرهاب في القضية المعروفة بـ”الشرارة الثالثة”، ثم حُكم عليه في ديسمبر 2021 بالسجن خمس سنوات بتهم “نشر أخبار كاذبة والانتماء لجماعة إرهابية”، وهي تهم اعتبرتها منظمات حقوقية “ملفقة” وتفتقر لأدنى معايير العدالة.
ورغم إنهاء حالة الطوارئ في مصر عام 2021، ظل الحكم نافذًا، ليقضي عبد الفتاح عقوبته في سجن وادي النطرون. كان من المفترض أن يُفرج عنه في سبتمبر 2024، لكن السلطات احتسبت العقوبة من يناير 2022، ما مدّد فترة بقائه خلف القضبان. وقد أثارت هذه الممارسات غضبًا واسعًا في الأوساط الحقوقية، ووصفتها منظمات مثل “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية” بأنها تعكس “تلاعبًا قانونيًا مقصودًا” لإطالة فترة سجنه.
الأكثر لفتًا هو حصول علاء على الجنسية البريطانية عام 2022، ما أضفى على قضيته بعدًا دوليًا. فقد باتت حكومات غربية، وعلى رأسها بريطانيا، تضغط علنًا على النظام المصري للإفراج عنه. آخر تلك الضغوط تمثلت في تصريحات رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ووزير خارجيته ديفيد لامي اللذين جددا مطالبهما للقاهرة بالإفراج عن علاء، واعتبرا استمرار حبسه “فضيحة سياسية وأخلاقية”.
أمهات يناضلن.. والسيسي يماطل
في قلب هذه المعركة، تبرز الدكتورة ليلى سويف، والدة علاء عبد الفتاح، التي جسدت نموذجًا للأم المناضلة عبر سنوات من الاعتصامات والإضرابات عن الطعام. مؤخّرًا، واصلت إضرابًا جديدًا للضغط من أجل حرية ابنها، الأمر الذي دفع 500 امرأة مصرية لتوجيه نداء علني إلى انتصار السيسي، زوجة الرئيس، للتدخل لإنقاذ حياتها وحياة ابنها.
لكن الواقع يشير إلى أن السيسي يستخدم قضية علاء كورقة مساومة سياسية أكثر من كونها قضية إنسانية. فالإفراج عنه لم يعد قرارًا قضائيًا أو إداريًا بحتًا، بل ورقة تفاوضية بين النظام من جهة، والمجتمع الدولي من جهة أخرى، بل وحتى بين السيسي وأجهزته الأمنية التي ترى في علاء رمزًا يهدد “هيبة الدولة” إن خرج منتصرًا من السجن.
من هنا، يقرأ مراقبون هذه المناشدة الصادرة عن المجلس القومي لحقوق الإنسان باعتبارها جزءًا من حملة “تلميع” للنظام، تهدف إلى الإيحاء بوجود مسار رسمي لإطلاق سراح علاء. فالمجلس، الذي يفترض أنه مستقل، يخضع في الواقع لإشراف السلطة التنفيذية ويعمل غالبًا كواجهة لامتصاص الضغوط الدولية.
الضغط الدولي.. بين لندن والقاهرة
تدرك القاهرة أن استمرار اعتقال علاء عبد الفتاح يضر بعلاقتها مع الغرب، خصوصًا مع لندن التي تمنحه جنسيتها. لكن النظام يستخدم سياسة “التقطير” في التعامل مع هذه الملفات، عبر إطلاق سراح بعض المعتقلين في مناسبات بعينها، بينما يحتفظ بملفات أكثر حساسية مثل علاء كورقة ضغط ومساومة.
ومع تزايد عزلة النظام الخارجية بسبب ملف حقوق الإنسان، يصبح الحديث عن “عفو رئاسي” أقرب إلى أداة سياسية يُسوّقها السيسي للغرب، ليظهر بمظهر القادر على الاستجابة للضغوط دون أن يتخلى عن قبضته الأمنية داخليًا. هذا التوازن الهش بين الداخل والخارج يفسر مماطلة النظام وتردده في الإفراج عن علاء، رغم انتهاء المدة القانونية وتزايد التدهور الصحي له ولأسرته.
خاتمة: العفو كورقة مساومة لا إنسانية
بين مناشدات المجلس القومي وضغوط الحكومات الغربية وصمود أسرة علاء عبد الفتاح، يبقى القرار في يد السيسي وحده. لكن التجارب السابقة تؤكد أن النظام لا ينظر إلى ملف السجناء السياسيين كبعد إنساني، بل كأداة تفاوضية مرتبطة بحسابات السياسة والضغط الخارجي.
قد يفرج عن علاء عبد الفتاح قريبًا، لكن ليس لأن العدالة انتصرت، بل لأن النظام يرى في ذلك لحظة مناسبة لإعادة تدوير صورته. وفي هذا السياق، فإن المناشدة الأخيرة للمجلس القومي تبدو انعكاسًا لتلك المماطلة: خطاب إنساني موجه للخارج أكثر من كونه استجابة صادقة لحق إنساني مسلوب.
اقرأ أيضا : ترحيب حذر.. أول تعليق من حماس على المقترح الأمريكي