بدأت القصة من مقطع فيديو قصير انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي في 13 نوفمبر 2025، يظهر فيه عشرات الفلسطينيين المحاصرين داخل طائرة متوقفة في مطار جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا، واللافت زن صفحات إسرائيلية ذات انتشار هي من بدأت النشر تحت عناوين مستفزة مثل (انظر كيف تعامل دولة جنوب أفريقيا الفلسطينيين).

كان المشهد صادمًا: رجال ونساء وأطفال يجلسون في مقاعد ضيقة، بعضهم يبكي وبعضهم يرفع أوراقه إلى الكاميرا طالبًا النجدة، بينما يُسمع صوت أحدهم يقول: “نحن هاربون من الحرب، لا من أجل هذا”. لكن ذلك الفيديو الذي بدا في ظاهره أزمة إنسانية عابرة، كان في حقيقته الفصل الأخير في واحدة من قصص التهجير اللاإنسانية التي انتهجتها دولة الاحتلال بمختلف الوسائل غير المشروعة في ظل الحرب على غزة.

قصة بدأت داخل القطاع المحاصر، واستمرت في مطار إسرائيلي يديره الجيش، وانتهت على أعتاب دولة أفريقية تبنّت أكبر حملة قانونية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية.

ولكي نفهم نهاية القصة، لا بد من العودة إلى بدايتها، ففي 12 نوفمبر 2025، خرجت مجموعة من الفلسطينيين من معبر كرم أبو سالم جنوب القطاع بعد أن سمح لهم الجيش الإسرائيلي بالمغادرة. وبحسب شهادات الركاب التي نشرتها وسائل إعلام جنوب أفريقية لاحقًا، جرى تجريد المسافرين من كل شيء تقريبًا: الحقائب تُركت خلفهم، الهواتف صودرت ساعات طويلة، حتى الملابس الزائدة لم يُسمح بإبقائها.

ثم نُقلوا بحافلات عسكرية إسرائيلية إلى مطار رامون في جنوب فلسطين المحتلة، وهو المطار الذي تحاول إسرائيل منذ سنوات فرضه كبوابة سفر بديلة عن مطار غزة المحاصر وممر رفح المغلق.

في مطار رامون، صعد الفلسطينيون إلى طائرة بلا شعار ولا رقم رحلة، بلا إعلان عن الوجهة، وبلا أي عنصر يوحي بأنها رحلة رسمية. والأخطر من ذلك، وهو ما كشف عنه لاحقًا مسؤولون في الهجرة بجنوب أفريقيا، أن إسرائيل لم تختم جوازات سفر أيٍّ منهم—وهي بداية تنفيذ خطة التهجير المقنّع.

منظمة تُدعى “المجد أوروبا” (Al-Majd Europe)، وهي جهة ادعت أنها تتولى ترتيب رحلات الإجلاء. لكن وبالطبع فإنها منظمة غير موجودة قانونيًا، وموقعها الإلكتروني – الذي أُنشئ في فبراير من العام الجاري – يستخدم صورًا لأشخاص تولّدهم برامج الذكاء الاصطناعي، وأن أرقام الهاتف المستخدمة تعود لجهات استخباراتية تابعة للاحتلال. شهادات الركاب نفسها تحدثت عن أن المنظمة جمعت منهم ما بين 1500 و5000 دولار للفرد لقاء “إخراجهم من غزة”، قبل أن تختفي تمامًا بعد تنفيذ الرحلات الأولى.

الرحلة الأولى التي وصلت جنوب أفريقيا في 28 أكتوبر 2025 بدت منخفضة المخاطر؛ 176 فلسطينيًا دخلوا البلاد على نظام زيارة مدته 90 يومًا، وجرى توزيعهم بين فنادق رخيصة ومراكز ضيافة. لكن خلال أسبوع واحد، اكتشفت الحكومة الجنوب أفريقية أن الركاب قد تُركوا بلا رعاية منظمة، وأن الجهة المسؤولة عن إحضارهم غير معروفة.

ومع انتشار تقارير إعلامية تؤكد أن إسرائيل ترتب خروج الفلسطينيين عبر مطار رامون بدون ختم خروج—وهو ما اعتُبر محاولة لإسقاط هويتهم القانونية—  بدأت التحقيقات في جنوب أفريقيا تدرك المخطط الخبيث، ومن يقف خلفه.

ثم جاء الحدث الحالي، فجر 13 نوفمبر 2025، وصلت الرحلة الثانية إلى مطار OR Tambo في جوهانسبرغ، تحمل قرابة 160 فلسطينيًا، فوقفت جنوب أفريقيا هذه المرة أمام معضلة قانونية واضحة: الركاب بلا ختم خروج من أي بلد، ولا يوجد تنسيق مسبق مع السفارة الفلسطينية أو أي جهة أممية، والأكثر خطورة أنه لا يوجد طرف مسؤول عن استقبالهم. وبحسب تصريح مسؤول في دائرة الهجرة فإن “الرحلة وصلت كما لو أنها محاولة لإنزال بشر بلا هوية قانونية داخل أراضي الدولة”.

هكذا وُضع الركاب في الطائرة لساعات طويلة تحت حرارة خانقة ومن دون طعام أو مياه، بينما احتدمت النقاشات داخل الحكومة الجنوب أفريقية. خلال ذلك، انتشرت صور ومقاطع فيديو من داخل الطائرة أشعلت مواقع التواصل، وتصدّرت عناوين الصحف العالمية، وصولاً إلى تدخّل الرئيس سيريل رامافوزا شخصيًا. وبحسب بيان الرئاسة في اليوم التالي، أمر رامافوزا بالسماح بدخول الركاب “كإجراء إنساني استثنائي”، وجرى تسليمهم إلى منظمة “Gift of the Givers” التي تكفلت بإيوائهم.

وكخطوة استباقية رفضت جنوب أفريقيا دخول المجموعة الثالثة التي كان من المقرر وصولها في 18 نوفمبر. في تصريح رسمي لوزارة الداخلية – قالت إن “الرحلات تتم عبر شبكات غير قانونية، وتشكل خطرًا بتحويل جنوب أفريقيا إلى محطة لتهجير الفلسطينيين من وطنهم”. بهذا، اتضح أن جنوب أفريقيا لم تتراجع عن موقفها الأخلاقي من فلسطين؛ بل كانت تحاول منع أن تُستغل كـ”بوابة ترانزيت” لعملية هندسة ديموغرافية هي جزءًا من خطة إسرائيلية طويلة لإفراغ غزة تدريجيًا.

خاصة وأن غياب ختم الخروج الإسرائيلي على جوازات الفلسطينيين كان سيجعل من المستحيل إثبات أنهم غادروا غزة طواعية أو مؤقتًا، مما يفتح الباب أمام “ترحيل ناعم” يصعب قانونيًا الطعن فيه أمام المحاكم الدولية. هذا يتطابق مع تصريحات أدلى بها مدير منظمة Gift of the Givers، الدكتور إمتياز سليمان، الذي قال إن الرحلات “بدت كأنها عملية التخلص من فلسطينيين بلا ضمانة للعودة”.

وفي المقابل لم تنف دولة الاحتلال الإسرائيلي علنًا السماح للطائرات بالإقلاع من مطار رامون بلا ختم جواز، وهو ما يعد اعترافًا ضمنيًا بتمرير عملية تهجير صامت. أما المنظمة المزعومة “المجد أوروبا” فقد اختفت تمامًا من المشهد. صفحتها على الإنترنت توقفت عن التحديث، وحساباتها في وسائل التواصل حُذفت، وأرقامها أُغلقت، تاركة خلفها عشرات الشهادات من فلسطينيين دفعوا ما يملكون للخروج من غزة فإذا بهم بلا مستقبل.

وهنا برزت جنوب أفريقيا كالجهة التي تصدت لهذا المخطط. فهي الدولة التي قادت دعوى الإبادة الجماعية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، وهي الدولة ذات التاريخ الطويل في مقاومة الفصل العنصري، وهي أيضًا الدولة التي استقبلت الفلسطينيين إنسانيًا، لكنها رفضت أن تكون جزءًا من مشروع التهجير. تصرفت الحكومة الجنوب أفريقية من موقع المسؤولية عندما وقفت الرحلة الثانية، وعندما رفضت استقبال الثالثة، وعندما فتحت تحقيقًا كاملاً في نشاط المنظمة التي رتبت الرحلات.

لقد كشفت هذه القصة – من غزة إلى مطار رامون، ومن تل أبيب إلى جوهانسبرغ – واحدة من أخطر ممارسات الحرب الحديثة: التهجير المقنّع الذي يتم عبر المطارات وليس عبر الجبهات، عبر المنظمات الوهمية وليس عبر الجيوش، وعبر الرحلات المنتظمة وليس عبر القوافل العسكرية. إنها محاولة لإخراج الفلسطيني من وطنه من دون أن يُقال رسميًا إنه هُجّر.

لكن موقف جنوب أفريقيا قلب المشهد. فبدلاً من أن تصبح محطة لإعادة تشكيل ديمغرافية غزة خارج الخرائط، أصبحت الدولة التي أغلقت الباب، ورفعت الصوت، وواجهت شبكة من السماسرة والوسطاء والجهات الغامضة، وقررت أن تكون مع حق الشعب الفلسطيني حيث يكون، كما كانت دائمًا.

ويبقى المؤكد أن ما جرى فتح صفحة جديدة في فهم الحرب على غزة: صفحة لا تدور حول القصف والمعابر فقط، بل حول طرق بديلة لإعادة صياغة الواقع السكاني للفلسطينيين خارج أرضهم.

ويبقى سؤال “إلى أين يتجه هذا النوع من السياسات؟” لأن التهجير — حين يبدأ بالهدوء والوساطة والمنظمات الغامضة — لا ينتهي بالضرورة بالطريقة نفسها. وقد تكون هذه الحادثة، بما حملته من ارتباك وصدمة، آخر إنذار قبل أن تتسع الدائرة وتتحول إلى نمط متكرر، وماذا سيكون موقف الدول العربي والإسلامية تجاه هذه الجريمة.