في لحظة مفصلية تهدد مصداقية المحكمة الجنائية الدولية، اضطر المحامي البريطاني المخضرم أندرو كايلي إلى الاستقالة من منصبه كمحقق في قضايا جرائم الحرب بفلسطين، بعد تلقيه تهديدات مباشرة وغير مباشرة من مسؤولين أمريكيين، بسبب تورطه في التحقيق ضد الاحتلال الإسرائيلي وحركة حماس بعد هجوم 7 أكتوبر 2023.
كايلي، الذي يعد أحد أبرز الخبراء القانونيين في مجاله، وجد نفسه بين مطرقة التهديدات وسندان العقوبات الأمريكية، ما يعكس حجم النفوذ السياسي الذي يطوّق المحكمة الجنائية ويمنعها من أداء مهامها بحيادية واستقلال.
الضغوط الأمريكية على المحكمة.. خنق للعدالة
منذ تعيينه في أوائل 2024 للتحقيق في أحداث فلسطين، كان كايلي يدرك أنه دخل حقل ألغام. فقد أوضح في مقابلة مع صحيفة “أوبزيرفر” البريطانية أنه بدأ يشعر بوطأة التهديدات منذ اللحظات الأولى لتوليه الملف، وخاصة مع ظهور نية المدعي العام كريم خان في إصدار مذكرات توقيف ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت وقادة من حماس.
بمجرد إعلان خان عن تحركاته على قناة CNN، بدأ كايلي بتلقي مكالمات هاتفية تهدده صراحة: “أنت في خطر كبير”، تلتها زيارات من أجهزة الأمن الهولندية لتحذيره من خطر على حياته، مع توصيات أمنية بتثبيت أبواب مضادة للرصاص وأجهزة إنذار على شقته. في الوقت نفسه، وصل الضغط السياسي الأمريكي إلى ذروته، مع اجتماع عاصف بين أعضاء المحكمة الجنائية وعدد من أعضاء الكونغرس الأمريكي، أبرزهم السيناتور الجمهوري المتشدد ليندسي غراهام، الذي “صرخ في وجه” مسؤولي المحكمة، مهددًا بإغلاقها وفرض عقوبات واسعة إذا صدرت أوامر اعتقال ضد مسؤولين إسرائيليين.
هذا التهديد لم يكن مجرد استعراض سياسي، بل كان ذا تبعات حقيقية بالنسبة لكايلي الذي يعيش أبناؤه الأربعة في الولايات المتحدة، بينهم اثنان لا يزالان في مراحل التعليم ويعتمدون عليه ماليًا.
العقوبات الأميركية التي كانت قيد الإعداد كانت ستحرمه من إرسال الأموال لأبنائه أو زيارتهم، فضلاً عن أن النظام المصرفي البريطاني نفسه كان سيتعامل معه كمحظور عليه التعامل، نظرًا لتبعية معظم البنوك البريطانية للمنظومة المالية الأميركية.
تفكك داخلي في المحكمة وخوف من انهيار شامل
استقالة كايلي لم تكن مجرد انسحاب فردي، بل كانت مؤشرا خطيرا على اهتزاز بنيان المحكمة الجنائية. فبحسب ما كشفه المحامي البريطاني، فإن عددا من زملائه بالمحكمة باتوا في “إجازات مرضية” طويلة بسبب الضغط النفسي الهائل الذي فرضته التهديدات والعقوبات.
كما بدأت المحكمة نفسها في اتخاذ إجراءات وقائية من العقوبات الأميركية المحتملة، مثل البحث عن بدائل لبرامج تقنية حساسة تقدمها شركات أميركية على رأسها “مايكروسوفت”، التي تستضيف قاعدة بيانات الأدلة الخاصة بالمحكمة.
اللافت أن الضغوط الأميركية، التي تصاعدت في عهد ترامب، ما تزال فاعلة حتى في ظل الإدارات التالية. فقد سبق أن فرضت إدارة ترامب عقوبات على المحكمة عام 2020 شملت حتى قضاة، وأغلقت الأبواب في وجهها لولا تدخل المحكمة العليا الأميركية لوقف بعض الإجراءات. لكن يبدو أن التلويح بعودة تلك العقوبات صار كافيا لترهيب موظفي المحكمة والضغط عليهم فردا فردا.
ما يضاعف من قلق كايلي وزملائه هو أن الولايات المتحدة لم تُخفِ نيتها في توسيع نطاق العقوبات إذا صدرت أوامر اعتقال جديدة ضد قادة الاحتلال الإسرائيلي. وهو ما يعني عمليا خنق المحكمة ماديا وتقنيا وتهديد مستقبلها ككيان قانوني دولي.
العدالة في مواجهة الهيمنة.. هل تصمد المحكمة؟
استقالة كايلي، التي وصفها بأنها “أصعب قرار في حياته”، تكشف عن أزمة عميقة في آلية العدالة الدولية، وتُعيد طرح تساؤلات مؤلمة: هل تستطيع المحكمة الجنائية الدولية التحقيق في جرائم الكبار، أم أنها محكمة للضعفاء فقط؟ وهل تتحول مبادئ القانون الدولي إلى شعارات فارغة حين تتعارض مع مصالح القوى الكبرى؟
من اللافت أن كايلي لم يُخفِ انحيازه للقيم التي نذر حياته المهنية لها، إذ قال باكيا: “أستطيع تحمل الدماء والفظائع، لكنني لا أستطيع تحمل الحزن”، مضيفًا: “ما يدفعني هو الرغبة في فعل الصواب، حتى لو كلفني ذلك الكثير”. وهو موقف يعكس تمسكه بمبادئه رغم كل الضغوط، لكنه في الوقت نفسه يعبّر عن شعور بالقهر والعجز أمام منظومة سياسية تحاصر العدالة من كل جانب.
من جهة أخرى، فإن دعم الولايات المتحدة غير المشروط للاحتلال الإسرائيلي بات يتجاوز حدود السياسة ليصل إلى شلّ عمل المنظمات الدولية التي تسعى لمساءلة الاحتلال عن جرائمه في غزة والضفة. ومع تعاظم الضغوط، يتضح أن المحكمة تواجه اليوم لحظة اختبار حقيقية إما أن تثبت استقلالها أو تنهار تحت وطأة الابتزاز السياسي.
خاتمة: العدالة المؤجلة لا تصنع سلاما
استقالة أندرو كايلي، رغم رمزيتها، ليست نهاية المطاف، بل هي ناقوس خطر يدق في وجه النظام الدولي القائم. فإذا كانت العدالة لا تُطبق على الجميع دون استثناء، وإذا كانت المحكمة الجنائية تتردد أمام التهديدات حين يتعلق الأمر بحلفاء واشنطن، فإن ذلك يعني انهيار الثقة الكونية بمنظومة القانون الدولي.
قد يتمكن كايلي من العودة لحياته الخاصة، لكن الحقيقة الأهم أن ضحايا الجرائم في فلسطين وسوريا واليمن والسودان وغيرهم، يظلون ينتظرون عدالة ربما لا تأتي أبدًا، ما لم تتحرر المحكمة من قبضة السياسة، وتكفّ الولايات المتحدة عن حماية مجرمي الحرب متى كانوا من حلفائها.
اقرأ أيضًا : “الطريق المسدود”.. اعتراف لبيد يهز إسرائيل: حرب غزة فشلت ونتنياهو يقود الجيش إلى الهاوية!