شهدت العاصمة التونسية، مسيرة شعبية واسعة خرجت من ساحة الجمهورية باتجاه الشارع الرئيسي وصولاً إلى المسرح البلدي، في مشهد يعكس عمق الارتباط الشعبي بالقضية الفلسطينية، وذلك إحياءً لذكرى يوم الأرض. ورفع المشاركون أعلام فلسطين ورددوا شعارات تؤكد مركزية القضية في الوعي العربي، وسط حضور لافت لمختلف التيارات السياسية والمدنية.

الهتافات التي صدحت بها الحشود لم تقتصر على التضامن الرمزي، بل حملت رسائل سياسية مباشرة، إذ عبّر المتظاهرون عن رفضهم لما وصفوه بحالة التخاذل العربي، مطالبين بمواقف أكثر صرامة تجاه الاحتلال الإسرائيلي. كما تكررت شعارات تدعو إلى دعم المقاومة المسلحة باعتبارها خياراً مشروعاً في مواجهة الاحتلال.

يوم الأرض: ذاكرة مقاومة تتجدد سنوياً

يأتي هذا الحراك الشعبي في سياق إحياء ذكرى يوم الأرض، الذي يمثل محطة مفصلية في تاريخ النضال الفلسطيني. ففي الثلاثين من مارس عام 1976، انتفض الفلسطينيون داخل الأراضي المحتلة عام 1948 ضد قرار مصادرة آلاف الدونمات من أراضيهم في منطقة الجليل، وهو ما أدى إلى سقوط شهداء وجرحى واعتقال العشرات.

تحولت هذه الذكرى إلى رمز سنوي للمقاومة والصمود، ليس فقط داخل فلسطين، بل في مختلف أنحاء العالم العربي، حيث يتم استحضارها كدليل على تمسك الفلسطينيين بأرضهم ورفضهم لسياسات التهجير والتهويد.

رسائل سياسية حادة ومطالب داخلية

لم تخلُ المسيرة من توجيه رسائل مباشرة إلى السلطات التونسية، حيث طالب المتظاهرون بتجريم التطبيع مع إسرائيل، معتبرين أن أي شكل من أشكال العلاقات مع الاحتلال يمثل خيانة للقضية الفلسطينية. كما دعوا إلى إطلاق سراح أعضاء “أسطول الصمود” الذين تم اعتقالهم مؤخراً، في خطوة تعكس تداخل البعد المحلي مع الإقليمي في الحراك الشعبي.

تصريحات المشاركين عكست حالة من الغضب الشعبي، إذ أكد عدد من النشطاء أن الشارع العربي لا يزال متمسكاً بخيار المقاومة، رغم ما وصفوه بتراجع المواقف الرسمية. واعتبروا أن يوم الأرض ليس مجرد ذكرى تاريخية، بل مناسبة لتجديد الالتزام بدعم الشعب الفلسطيني.

انقسام بين الموقف الشعبي والرسمي

أبرزت المسيرة فجوة واضحة بين المزاج الشعبي والمواقف الرسمية في المنطقة العربية. ففي الوقت الذي يطالب فيه الشارع بمواقف أكثر حدة، تتبنى العديد من الحكومات سياسات أكثر براغماتية، تراعي توازنات إقليمية ودولية معقدة.

في تونس، أعاد هذا الحراك النقاش حول مشروع قانون تجريم التطبيع، الذي لا يزال يثير جدلاً سياسياً واسعاً. ويرى ناشطون أن تمرير مثل هذا القانون من شأنه أن يعكس الإرادة الشعبية، في حين يعتبر معارضون أن الأمر يتطلب حسابات دقيقة تتعلق بالمصالح الوطنية.

فلسطين كقضية جامعة في ظل التحولات الإقليمية

تأتي هذه المسيرة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، حيث تتقاطع عدة ملفات من غزة إلى لبنان وسوريا، ما يعيد القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد. ويبدو أن الشارع العربي، رغم كل التحولات، لا يزال يعتبر فلسطين القضية المركزية التي توحده.

كما أن الربط الذي قام به بعض المتظاهرين بين فلسطين ومحاور إقليمية أخرى يعكس تحوّلاً في الخطاب الشعبي، حيث باتت القضية تُطرح ضمن سياق أوسع يشمل الصراعات الإقليمية والتوازنات الدولية.

دلالات الحراك الشعبي ومستقبله

يحمل هذا الحراك في طياته عدة دلالات، أبرزها استمرار حضور القضية الفلسطينية في الوجدان الشعبي العربي، رغم محاولات تهميشها أو تجاوزها في بعض السياقات السياسية. كما يعكس قدرة الشارع على التعبير عن مواقفه، حتى في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها الدول العربية.

ومن جهة أخرى، يطرح هذا الحراك تساؤلات حول مدى تأثيره على السياسات الرسمية، وهل يمكن أن يشكل ضغطاً حقيقياً يدفع نحو تغيير المواقف، أم أنه سيظل في إطار التعبير الرمزي دون ترجمة عملية.

في المحصلة، تؤكد مسيرة تونس أن يوم الأرض لا يزال حياً في الذاكرة العربية، وأن فلسطين تبقى قضية تتجاوز الحدود، قادرة على تحريك الشارع وإعادة طرح الأسئلة الكبرى حول العدالة والحرية والكرامة.

اقرأ أيضا : تصاعد خطاب الكراهية ضد المسلمين في الكونغرس الأمريكي وسط توترات الحرب مع إيران