في مشهد يعيد إنتاج أكثر اللحظات قتامة في تاريخ القضاء التونسي، فجّرت الأحكام الاستئنافية النهائية في ما يُعرف بملف “التآمر1” موجة رفض سياسية وحقوقية واسعة، وسط تحذيرات من أن تونس تنزلق سريعًا نحو نموذج سلطوي مكتمل الأركان، تقوده سلطة الرئيس قيس سعيّد مستخدمة القضاء كأداة انتقام ضد الخصوم. الأحكام التي صدرت الجمعة، وتراوحت بين خمس سنوات و45 عاما مع النفاذ العاجل، شملت سياسيين ومحامين وحقوقيين، خاصة ممن هم خارج البلاد، مع مصادرة ممتلكات بعضهم وإخضاع آخرين لسنوات من المراقبة.

الأحزاب التونسية ومنظمة العفو الدولية اعتبرت أن ما حدث ليس مسارًا قضائيًا، بل “مجزرة قانونية” تُدار بيد سياسية واضحة، هدفها الإجهاز على ما تبقى من الحريات، وتصنيف كل معارض لسعيّد تحت خانة “المتآمر” و”الخطر على الأمن القومي”. وفي ظل هذا المشهد، بدا واضحًا أن القضاء لم يعد لاعبًا مستقلًا، بل أصبح ـ وفق توصيف واسع ـ “قضاء وظيفة” يعمل بأوامر السلطة، ويمنح الغطاء القانوني لحملة القمع المتصاعدة.

“تآمر السلطة على الديمقراطية”.. رسالة من وراء القضبان

أشدّ الرسائل وقعًا جاءت من داخل السجن، وتحديدًا من المحامي والقيادي السياسي عصام الشابي، المحكوم بـ20 سنة سجنًا و5 سنوات مراقبة. في رسالته قال:

“إن كان هناك تآمر، فهو تآمر منظومة الحكم على المعارضة وعلى حق التونسيين في الحرية.”

رسالة الشابي اختزلت شعور شريحة واسعة من التونسيين والحقوقيين، معتبرًا أن الحكم “سياسي سافر”، لا يهدف إلى ردع المعارضة بل إلى ترهيبها وتفكيكها. وأكد أن هذه الأحكام لن تزيدهم إلا صلابة وإصرارًا على مواجهة ما وصفه بـ”مرحلة الحكم الشعبوي التي خرّبت مؤسسات الدولة وعطلت الاقتصاد ونشرت خطاب الكراهية”.

وفي عباراته الأخيرة قال:

“الشعب التونسي قادر على كسر القيود واستعادة ديمقراطيته المختطفة من قبل شعبوية بائسة لا مشروع لها سوى تكريس الانفراد بالحكم وتصفية الخصوم.”

النهضة: قضاء مسيّر وأحكام انتقامية

حركة النهضة، أبرز الأحزاب المستهدفة بحملة السلطة، اعتبرت في بيانها أن الأحكام “تعسفية” و”جائرة”، وأنها بنيت على “اتهامات جزافية ووشايات كيدية ونوايا تصفوية مكشوفة”. وأكدت أن السلطة تستخدم القضاء لمعاقبة المعارضة، لا لمحاسبة المخالفين للقانون.

النهضة رأت أن ما يحدث هو “تآمر صريح من السلطة على المعارضين”، وأن الغاية هي “إعدام الحق الدستوري في معارضة الحكم الفردي المطلق”. ولم تكتف الحركة برفض الأحكام، بل حمّلت قيس سعيّد مسؤولية “تصاعد المنحى الاستبدادي” معتبرة أن النظام الحالي أصبح خطرًا على مستقبل البلاد.

وطالبت الحركة بإطلاق سراح جميع المساجين السياسيين، ووقف محاكمات تُستخدم لتشتيت انتباه الشعب عن الفشل في إدارة الدولة، خاصة مع تدهور الاقتصاد وتفاقم العزلة الدولية.

الحزب الجمهوري: انحراف خطير واستعمال فج للقضاء

الحزب الجمهوري ذهب في الاتجاه ذاته، مؤكدًا أن الأحكام لا تعبّر عن عدل بل تكشف الطابع السياسي للقضية. وقال إن “الملف رافقته منذ البداية خروقات إجرائية خطيرة” وانتهاكات لحقوق المتهمين، بما يؤكد أن المنظومة القضائية باتت أداة بيد السلطة لإخضاع المعارضة وترهيب الصوت العام.

الجمهوري دعا القوى الديمقراطية والحقوقية إلى توحيد الجهود لحماية استقلال القضاء ومنع عودة “دولة التعليمات” التي عاشتها تونس قبل الثورة.

العفو الدولية: إدانة صارخة للقضاء وعلامة على تفكك دولة القانون

منظمة العفو الدولية قدّمت التقييم الأشدّ قسوة، مؤكدة أن تأييد هذه الأحكام يمثّل “إدانة صارخة للنظام القضائي التونسي”. وقالت إن محكمة الاستئناف تجاهلت عمدًا الانتهاكات الخطيرة لمعايير المحاكمة العادلة، وأن القضية استندت منذ بدايتها إلى “تهم لا أساس لها” بحق سياسيين ومحامين وحقوقيين.

وأضافت المنظمة أن القضاء أصبح أداة للقضاء على المعارضة، وأن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى “تعميق الاستبداد وتوسيع الأزمة الحقوقية”.

وطالبت بإلغاء جميع الأحكام فورًا وإطلاق سراح كل المتهمين دون قيد أو شرط، مؤكدة أن القضاء، بصيغته الحالية، لم يعد يشكّل حاجزًا أمام تغوّل السلطة، بل أصبح رافعة لها.

قيس سعيّد.. من القضاء كحَكَم إلى القضاء كأداة قمع

منذ قرارات 25 يوليو 2021، التي جمّد فيها قيس سعيّد البرلمان وأمسك بالسلطات الثلاث، تعزّزت مخاوف المنظمات الحقوقية من تحوّل القضاء إلى ذراع سياسية. ومع كل ملف جديد ـ من محاكمة المعارضين إلى ملاحقة الصحفيين ـ تتأكد هذه المخاوف.

ملف “التآمر1” يُعدّ اليوم تجسيدًا حيًا لهذا الانزلاق، حيث تُستخدم تهم ضخمة مثل “التآمر على أمن الدولة” و”تكوين وفاق إرهابي” في سياقات سياسية بحتة، ما يحوّل القضاء إلى وسيلة لتصفية الخصوم.

وفي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة والعزلة الدبلوماسية، يرى مراقبون أن السلطة تلجأ إلى التصعيد الداخلي لفرض الأمر الواقع وإسكات كل الأصوات المعارضة، عبر محاكمات توصف بأنها “صورية” وذات طابع ردعي.

خاتمة: تونس على حافة نموذج سلطوي

الأحكام الأخيرة ليست مجرد فصل قضائي، بل محطة جديدة في مسار تضييق ممنهج على الحريات، وتكريس واقع سياسي يقوم على حكم فردي مطلق. رسائل الأحزاب و”العفو الدولية” تشير بوضوح إلى أن تونس تقف أمام أخطر مرحلة منذ الثورة:

قضاء مسيّر، معارضة تُحاكم كخطر أمني، وبلاد تُدار بمنطق التعليمات.

وفي غياب أي مبادرة إصلاحية أو حوار سياسي، تتجه تونس ـ وفق تعبير حقوقيين ـ نحو “تجفيف الفضاء الديمقراطي”، بينما يستمر قيس سعيّد في إحكام قبضته عبر منظومة قمعية تتوسّع يومًا بعد يوم.

وحده الشارع التونسي، كما يقول عصام الشابي، قادر على استعادة ديمقراطيته من قبضة السلطة، إذا ما قرر كسر دائرة الخوف.

اقرأ أيضًا : وزير سوداني: الإمارات دمّرت السودان.. وبداية تعافٍ حذرة