في مشهدٍ يلقي بظلاله على واقع الحريات والعدالة في تونس، منعت السلطات الأمنية أهالي معتقلي ما يعرف بملف “التآمر على أمن الدولة” من دخول قاعة المحكمة لحضور جلسة اليوم الجمعة، ما أثار موجة من الغضب الشعبي والسياسي، وسط تنديد واسع بغياب الشفافية والانتهاك المتواصل للحقوق الدستورية.

قاعة مغلقة واحتجاج مفتوح

أمام أبواب المحكمة، تجمعت عشرات العائلات في وقفة احتجاجية رافضة لقرار المنع، رافعين صور ذويهم المعتقلين، ومرددين هتافات تطالب بعلنية الجلسات وكشف الحقيقة للرأي العام. ورغم إصرار الأهالي، لم يُسمح بدخول الجلسة إلا لشخص واحد من كل عائلة، ما اعتُبر إهانة إضافية للمعتقلين وذويهم على حد سواء.

وفي الوقت ذاته، كان المشهد داخل المحكمة محاطًا بتعزيزات أمنية مشددة، فيما غابت وجوه المعتقلين عن القاعة مجددًا، إذ قررت المحكمة للمرة الثانية عقد الجلسة عن بُعد، دون حضور المتهمين أو تمكينهم من الدفاع المباشر عن أنفسهم.

تسييس للعدالة.. أم خوف من الحقيقة؟

الاحتجاج لم يكن شعبيًا فقط، بل حضرته شخصيات سياسية وحقوقية بارزة، من بينهم محامون ونشطاء، أكدوا أن ما يجري هو محاكمة سياسية مقنّعة، تستهدف المعارضين بزعم “التآمر” في قضايا تفتقر إلى الحد الأدنى من الشفافية والعدالة.

المحامي والناشط الحقوقي سمير ديلو وصف المشهد قائلاً:

“وجود العائلات أمام المحكمة يؤكد فقدانهم للثقة في منظومة العدالة. المسرحية التي مُنعت يوم أمس كانت تحاكي محاكمة ملف التآمر، لكن المسرحية الحقيقية تُعرض اليوم في أروقة المحكمة”.

أما القيادي في حزب “الجمهوري” وسام الصغير، فقد اعتبر أن المنع المتكرر للأهالي دليل على “الخوف الشديد لدى السلطة من كشف ما يجري فعليًا في هذا الملف”، مؤكدًا أن النظام يستخدم القضاء كأداة سياسية للانتقام من الخصوم والمعارضين.

أزمة ثقة وعدالة غائبة

اللافت أن الجلسة جاءت بالتزامن مع إضراب جماعي ينفذه عدد من المعتقلين، احتجاجًا على منعهم من الحضور الشخصي في المحكمة، وللتعبير عن رفضهم لما وصفوه بـ”المحاكمات الشكلية”. كما قاطع الجلسة بعض المتهمين المطلق سراحهم، من بينهم السياسي أحمد نجيب الشابي والقيادي في حركة النهضة رياض الشعيبي، تضامنًا مع زملائهم داخل السجن.

وتشير الوقائع إلى أن ملف “التآمر” يضم أكثر من 40 شخصية سياسية معارضة من مختلف الأطياف، ما يجعل القضية الأخطر منذ انقلاب 2021، ويطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الحريات وحقوق الإنسان في تونس.

إلى أين تتجه تونس؟

في ظل هذا المشهد المتكرر من الإقصاء والتضييق، تتعزز المخاوف من انزلاق البلاد نحو نموذج شمولي يُستخدم فيه القضاء كأداة لتصفية المعارضين، بدلًا من كونه ضمانًا للعدالة وحقوق الأفراد.

الرسالة التي وجهتها السلطة اليوم عبر قرار المنع واضحة:

لا صوت فوق صوت السلطة، ولا عدالة خارج السيطرة.

لكن في المقابل، فإن حضور العائلات في الشارع، ورفضهم الصمت، يؤكد أن ملف “التآمر” لم يعد مجرد قضية قضائية، بل معركة رأي عام مفتوحة على كل الاحتمالات.

اقرأ أيضا: وفاة رجل أعمال تونسي في السجن.. اتهامات بالإهمال ودعوات لتحقيق يكشف ملابسات الموت الغامض