في مشهد يعيد تسليط الضوء على أوضاع السجون في تونس والانتهاكات الحقوقية المتزايدة في عهد الرئيس قيس سعيد، فجرت وفاة رجل الأعمال التونسي علي الغدامسي داخل السجن المدني بالمسعدين من محافظة المنستير جدلًا واسعًا، وسط اتهامات مباشرة بوقوع “جريمة قتل صامتة” داخل زنازين الدولة.

فقد أعلنت فريال الغدامسي، ابنة الراحل، فجر الأحد، وفاة والدها في محبسه، متهمة جهات “لم تسمّها” بالوقوف وراء ما وصفته بـ”اغتيال بطيء”، مشيرة إلى أن والدها لم يكن يحظى بالعناية الطبية اللازمة، رغم إصابته بمرض السرطان وتدهور حالته الصحية منذ فترة طويلة.

ورغم تداول الخبر على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية، إلا أن السلطات التونسية لم تصدر أي بيان رسمي لتأكيد أو نفي الواقعة، وهو ما فُسِّر من قبل كثيرين على أنه محاولة للتهرب من المسؤولية، وإخفاء الحقائق المتعلقة بظروف الوفاة.

 

رجل أعمال في قبضة الدولة.. والمرض حليف السجن

علي الغدامسي، رجل أعمال ينحدر من محافظة سوسة، تم إيقافه منذ عدة أشهر على خلفية قضية تتعلق بتهم تبييض الأموال، حسبما أفاد محاموه. 

إلا أن ظروف توقيفه وإصرار النيابة على رفض طلبات الإفراج عنه، بالرغم من وضعه الصحي الخطير، يثير الكثير من التساؤلات حول مدى احترام السلطة للضمانات القانونية والحقوقية للموقوفين.

فالراحل كان مصابًا بالسرطان، ويعاني من أمراض مزمنة استوجبت، وفق عائلته ومحاميه، متابعة طبية خاصة خارج السجن، وهو ما لم توفره السلطات. بل إن هناك مؤشرات على إهمال طبي متعمد، خاصة بعد ما كشفته ابنته من تعرضه لـ”سوء معاملة وتجاهل” لحالته الصحية داخل السجن.

الحقوقي التونسي عبد الوهاب الهاني دخل على خط القضية، مطالبًا بـ”فتح تحقيق إداري وقضائي فوري” لكشف ظروف وملابسات الوفاة، ومحاسبة من وصفهم بـ”المسؤولين عن الإهمال والتقصير وسوء المعاملة”. 

وأضاف في تدوينة له: “يجب على السلطات العامة أن تُصدر بيانًا شفافًا، لأن أرواح المساجين في ذمة الدولة، وأي وفاة في أماكن الاحتجاز تُحمّل النظام كامل المسؤولية”.

موت الغدامسي.. حلقة جديدة في مسلسل القمع والتنكيل

لم تكن وفاة علي الغدامسي حادثًا عرضيًا، بل تأتي في سياق أوسع من حملات الاعتقال والمضايقات التي تشنّها السلطات التونسية منذ انقلاب قيس سعيّد في 25 يوليو 2021، وهو اليوم الذي عطّل فيه الدستور وحلّ البرلمان، وأطلق يد الأمن في ملاحقة المعارضين والنشطاء ورجال الأعمال.

ففي السنوات الأخيرة، تكدّست السجون التونسية بعشرات من رجال الأعمال والسياسيين والصحفيين والنشطاء، منهم من تجاوز عمره الستين عامًا، ويعاني أغلبهم من أمراض خطيرة، فيما تشير تقارير حقوقية إلى أن كثيرًا منهم لا يتلقون الرعاية الطبية الكافية، ويتم التنكيل بهم نفسيًا وجسديًا.

ومن أبرز هؤلاء، رئيس البرلمان التونسي السابق وزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، الذي يقبع في السجن منذ أبريل 2023 على خلفية تصريحات سياسية، وتُتهم السلطات باحتجازه في ظروف مهينة دون مراعاة لسنه المتقدم أو وضعه الصحي، في مشهد يعكس تغول السلطة التنفيذية على القضاء، وتحول القضاء إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية.

وقد طالبت منظمات دولية، من بينها هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية، مرارًا بالإفراج عن المعتقلين السياسيين في تونس، ووقف الانتهاكات بحقهم، لكنها لم تجد آذانًا صاغية من قبل السلطات التي تصر على التمسك بخطاب المؤامرة والتخوين لتبرير ممارساتها القمعية.

دعوات للتحقيق.. ومخاوف من تكرار السيناريو

وفاة علي الغدامسي قد لا تكون الأخيرة، إذا لم تتحرك الجهات المختصة لكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين. فالصمت الرسمي، وغياب الشفافية، ورفض فتح تحقيقات مستقلة في الانتهاكات داخل السجون، يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر سوداوية، قد تُحوّل السجون التونسية إلى مقابر باردة للمعارضين والموقوفين.

وفي ظل رفض السلطات السماح بزيارات المراقبة المستقلة للسجون، وتقييد عمل المنظمات الحقوقية، تتعزز المخاوف من تصاعد الانتهاكات الممنهجة، خاصة ضد من يرفعون أصواتهم بالمعارضة أو المطالبة بالإصلاح السياسي.

إن وفاة الغدامسي، بكل ما تحمله من رمزية، هي صرخة مدوية في وجه الدولة، تطالب بالعدالة والمحاسبة، وتفتح الباب مجددًا أمام المطالبة بإصلاح المنظومة القضائية، وضمان الحقوق الأساسية للموقوفين والسجناء، بعيدًا عن الانتقام السياسي.

الغدامسي ليس الأخير.. فهل تتحرك الضمائر؟

الوفاة الغامضة لرجل الأعمال التونسي داخل سجنه، في ظل ظروف صحية قاسية وصمت رسمي مريب، تُنذر بخطورة ما يحدث خلف جدران السجون. وبينما تستمر دعوات التحقيق والمحاسبة، يظل الرأي العام في تونس والعالم العربي ينتظر إجابة على سؤال جوهري: هل أصبحت أرواح المواطنين مجرد أرقام في عهد قيس سعيّد؟

إن كانت الدولة حقًا ترفع شعار “الديمقراطية وحماية الحقوق”، فعليها أن تبدأ من هنا: بكشف الحقيقة، وضمان الكرامة لكل إنسان مهما كانت تهمته.

اقرأ أيضًا : تونس تنسحب من المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان.. ضربة جديدة لمسار العدالة الإقليمية