كشفت رسائل مسربة من مجموعة على تطبيق «سيجنال» تحمل اسم “Houthi PC small group”، شارك فيها مسؤولون أمريكيون، عن ملامح سياسة جديدة لإدارة دونالد ترامب تجاه مصر. 

الرسائل تضمنت نقاشات حول هجوم وشيك على مواقع الحوثيين في اليمن منتصف مارس الماضي، لكن اللافت أنها حملت بين طياتها جملة غامضة: «سنجعل ما نتوقعه في المقابل واضحًا قريبًا لمصر وأوروبا». عبارة عابرة، لكنها تلخّص تحوّلًا استراتيجيًا أمريكيًا في التعامل مع القاهرة.

فما الذي تريده واشنطن حقًا من مصر؟ ولماذا تُصر على إقحامها في صراع البحر الأحمر؟ وما علاقة ذلك بإيرادات قناة السويس وتيران وصنافير والوجود الإسرائيلي في المنطقة؟

أولًا: الحرب على الحوثيين

منذ نوفمبر 2023، شنّ الحوثيون عشرات الهجمات على سفن تجارية في البحر الأحمر وخليج عدن، ردًا على الحرب الإسرائيلية على غزة، ما أثار ذعرًا دوليًا وانهار معه جزء من حركة التجارة العالمية، حيث توقفت شركات الشحن عن المرور عبر قناة السويس، لتبلغ خسائرها قرابة 800 مليون دولار وفقًا للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

إدارة ترامب، خلافًا لسلفه بايدن، أطلقت عملية عسكرية عنيفة تحت اسم “راف رايدر”، بدأتها في 15 مارس بضربات جوية مكثفة شملت العاصمة صنعاء وصعدة. ووفقًا لمشروع بيانات اليمن، قُتل أكثر من 500 شخص خلال شهر واحد. ومع ذلك، لم تُحقق الحملة أهدافها في تحجيم الحوثيين، بل تكبّدت الولايات المتحدة تكلفة تجاوزت مليار دولار حتى أوائل أبريل.

من هنا بدأت الضغوط الأمريكية: واشنطن تريد من حلفائها الإقليميين، وعلى رأسهم مصر، أن يتقاسموا التكاليف، ماديًا وعسكريًا. لكن القاهرة – التي تدفع أصلًا ثمن الفوضى في البحر الأحمر – ترى أن هذه الحرب ليست حربها.

 ضغوط أمريكية وخليجية.. ومصر ترفض المشاركة المباشرة

بحسب دبلوماسيين ومسؤولين مصريين تحدثوا لـ”مدى مصر”، فإن الإدارة الأمريكية طلبت دعمًا لوجستيًا وماليًا من القاهرة. وبعد رفض الأخيرة، جاء تصريح ترامب الغاضب بأن على مصر السماح للسفن الأمريكية بالمرور في قناة السويس “مجانًا”، في تهديد مبطّن بأن القناة، أهم شريان دخل للدولة المصرية، ليست بمنأى عن الضغوط.

الرد المصري الرسمي غائب، لكن القاهرة شكلت لجنة لدراسة الطلب. مصادر رسمية تشير إلى أن مصر تخشى أن أي موافقة ستفتح الباب لمطالب مماثلة من دول أخرى، ما قد يقوض عصب الاقتصاد القومي.

الموقف المصري لا يتوقف عند الحسابات المالية، بل يتجاوزها إلى اعتبارات تاريخية واستراتيجية. مصر، التي لا تزال تتذكر الخسائر الفادحة في تدخلها العسكري في اليمن الستينات، تدرك أن الحوثيين ليسوا مجرد ميليشيا يمكن سحقها من الجو، بل قوة متجذرة مدعومة إيرانيًا ومتماسكة جغرافيًا وتنظيميًا.

السعودية تفتح الباب للأمريكيين ومصر في ورطة جديدة

وسط هذا السياق، ظهرت مجددًا قضية تيران وصنافير، حيث كشفت مصادر مصرية أن السعودية عرضت على الولايات المتحدة إقامة قاعدة عسكرية على الجزيرتين الواقعتين عند مدخل خليج العقبة، لتأمين البحر الأحمر ومنع تهريب الأسلحة إلى غزة ولبنان.

لكن هذه الخطوة تثير توترًا داخل دوائر القرار في القاهرة. فإقامة قاعدة أمريكية دائمة على أراضٍ كانت مصرية، ومنحها لدولة أجنبية ثالثة، تثير شبح “التنازل المتسلسل عن السيادة”. كما تهدد الاستثمارات الصينية والروسية في محور قناة السويس، وتزعزع التفاهمات الأمنية مع إسرائيل في سيناء.

ويقول أحد المسؤولين: “مصر ليست في موقع يمكّنها من رفض الطلب السعودي بشكل قاطع. لكنها تدرك أن إقامة هذه القاعدة ستُضعف دورها الإقليمي، وتمنح السعودية وإسرائيل اليد العليا في الأمن البحري”.

ورغم تمرير اتفاقية نقل السيادة عام 2016، لم تُستكمل العملية رسميًا، ولا تزال القاهرة والرياض تتجادلان حول ترتيبات الكاميرات الأمنية على الجزيرتين، إذ تخشى مصر من مراقبة إسرائيلية شاملة لشبه جزيرة سيناء.

“منتدى البحر الأحمر” وتحالفات جديدة تقصي مصر

إلى جانب المطالب المباشرة، تسعى الولايات المتحدة والسعودية لتفعيل اتفاقيات أمنية جديدة ضمن ما يسمى بـ”منتدى البحر الأحمر”، وهو إطار إقليمي مؤجل يهدف إلى ضمان حماية الملاحة التجارية في هذا الممر الحيوي. ويُعتقد أن من بين أهدافه إضفاء شرعية على أي وجود عسكري أمريكي أو إسرائيلي في البحر الأحمر.

مصر، بحسب مصدر دبلوماسي، لم تُدعَ إلى قيادة هذه المبادرة، بل جرى التعامل معها باعتبارها شريكًا من الدرجة الثانية، ما زاد من حدة امتعاض القاهرة.

المفارقة أن مصر – التي عانت اقتصاديًا بسبب تعطل الملاحة – ليست من تقود الجهود لحمايتها. والسبب، بحسب أحد المسؤولين، أن واشنطن تريد هي من تضع القواعد، وهي من تُوزّع الأدوار، بينما تُرك لمصر إما أن تنفذ أو تخسر.

صراع الإرادات

الولايات المتحدة، مدعومة من إسرائيل والسعودية، تضغط بكل الأدوات الممكنة على مصر، سواء بتعليق مساعدات، أو المطالبة بامتيازات عبور، أو محاولة فرض واقع عسكري جديد في البحر الأحمر.

لكن مصر حتى الآن تقاوم، وإن بصمت. فالتجاوب مع هذه الضغوط قد يُفجّر أزمة داخلية، ويكشف عن فقدان السيطرة على أحد آخر رموز السيادة: قناة السويس وتيران وصنافير.

مصر تدرك أيضًا أن مشاركة مباشرة في الحرب باليمن ستجرّها إلى مستنقع مكلف، دون مردود يوازي الخطر، خصوصًا أن هذا الصراع لا يدور على أرضها، ولا يعكس مصالحها الأساسية، بل مصالح إسرائيل والولايات المتحدة والسعودية.

والأسوأ أن الاستجابة قد تُقوّض مستقبل علاقاتها مع الصين وروسيا، وهما شريكان أساسيان في مشروعات التنمية وموازنة النفوذ الأمريكي في المنطقة.

مصر بين المطرقة والسندان

الرسائل المسربة من مجموعة “Houthi PC small group” لم تكن مجرد دردشة عابرة بين مسؤولين أمريكيين، بل مؤشرات صريحة لمرحلة جديدة من الضغوط على القاهرة. مرحلة عنوانها: “ادفع أو تنازل”، ومضمونها: “إما أن تنخرط في الحرب، أو تدفع ثمنًا سياسيًا واقتصاديًا باهظًا”.

لكن السؤال الأهم: هل تستطيع مصر مقاومة هذا الضغط طويلًا؟ وهل ستكتفي بلعب دور الوسيط والناصح، أم ستنجرّ إلى صراع لا يُعرف له مخرج؟

في الوقت الذي تتحدث فيه واشنطن عن إعادة تشكيل أمن البحر الأحمر، يبدو أن مصر تخوض صراعًا آخر – صراع البقاء كقوة إقليمية ذات سيادة، في منطقة تُعاد صياغتها بلا إذن منها، وعلى حسابها.

اقرأ أيضًا : زيارة ماكرون إلى القاهرة: دعم مستبدّين وتواطؤ في مأساة غزة