تستعد سوريا للعودة إلى نظام “سويفت” العالمي للمدفوعات، في خطوة وصفت بأنها الأهم منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد أواخر عام 2024، وما رافقها من تحولات جذرية في البنية السياسية والاقتصادية للبلاد.

وأعلن حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر حصرية، أن البنوك السورية حصلت على رموز “سويفت”، ولم يتبق سوى إعادة تفعيل عمل البنوك المراسلة، مما يمهّد الطريق أمام استعادة جزء مهم من السيادة المالية التي فقدتها سوريا على مدار أكثر من عقد.

إعادة الارتباط بسوق المال العالمي

يُعد نظام “سويفت” العمود الفقري للمعاملات المصرفية العالمية، وغياب سوريا عنه منذ عام 2011 كان أحد أكثر أوجه العزلة الاقتصادية ضررًا.

فالحرمان من هذا النظام لم يعزل البنوك السورية فقط عن التعاملات الدولية، بل دفع الاقتصاد السوري نحو الاعتماد شبه الكامل على السوق السوداء والصرافين غير الرسميين، وهو ما أسهم في ارتفاع كلفة تحويل الأموال وتزايد حجم غسل الأموال.

ويؤكد حصرية أن العودة إلى “سويفت” ستؤدي إلى تقليص الاعتماد على تلك الشبكات غير الرسمية، وخفض كلفة التحويلات المالية، وتعزيز الشفافية في تدفق الأموال.

كما من المتوقع أن يسهم ذلك في استعادة جزء من الثقة الدولية بالاقتصاد السوري، خاصة مع اتجاه الحكومة الجديدة إلى ترسيخ مركز مالي وطني قادر على استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية.

دعم أوروبي وتغيّر في السياسات الدولية

اللافت في هذه المرحلة الانتقالية هو الانفتاح الدولي التدريجي على دمشق، وخاصة من الاتحاد الأوروبي. فقد أعلنت المفوضة الأوروبية دوبرافكا شويتسا تخصيص 175 مليون يورو لدعم الاقتصاد السوري، في زيارة هي الأولى لمسؤول أوروبي رفيع منذ سنوات. 

هذا الدعم، الموجه لقطاعات حيوية مثل الطاقة والتعليم والزراعة، يُشكل مؤشراً على تحوّل في الموقف الأوروبي تجاه سوريا، من العقوبات والقطيعة إلى الدعم المشروط بالإصلاحات والشفافية.

كما أن دعوة وزير الخارجية السوري للمشاركة في اجتماع بروكسل لدول البحر المتوسط يُظهر عودة دمشق إلى الطاولة الإقليمية والدولية، في إطار إعادة التموضع السياسي لما بعد الأسد.

التمويل الإسلامي بديلاً عن الديون

وفي خطوة تحمل دلالة على توجه جديد في إدارة الاقتصاد السوري، كشفت الحكومة عن نيتها إصدار صكوك تمويل للمرة الأولى في تاريخ البلاد، بدلاً من اللجوء إلى الاقتراض الخارجي.

يُعد هذا تحوّلاً مهماً في مسار الاقتصاد السوري نحو أدوات تمويل إسلامية، أقل ارتباطًا بشروط المؤسسات المالية الدولية، وأكثر ملاءمة للبيئة القانونية والدينية داخل البلاد.

هذه الخطوة تعكس حرص الحكومة على الحفاظ على استقلال القرار الاقتصادي، وتفادي ما يُنظر إليه كـ”فخ الديون” الذي تورطت فيه دول أخرى عقب الأزمات، وهي بذلك تحاول رسم نموذج اقتصادي مختلف يعتمد على الجذب الاستثماري أكثر من المديونية.

بين الطموح والواقع: تحديات لا تزال قائمة

رغم هذه الخطوات الطموحة، يدرك صناع القرار في دمشق أن الطريق لا يزال طويلاً أمام تعافٍ اقتصادي شامل. فالعقوبات لم تُرفع كليًا بعد، وإنما تم تخفيفها عبر إصدار بعض التراخيص المؤقتة. 

ولا تزال البنية التحتية للقطاع المصرفي هشة، وتحتاج إلى إصلاح عميق، إلى جانب وجود تحديات متعلقة بثقة رجال الأعمال والمستثمرين، خاصة في ظل غياب نظام قضائي فعّال وآمن.

وإلى جانب التحديات الاقتصادية، يبقى الملف السياسي هو التحدي الأكبر أمام الحكومة الانتقالية. إذ إن استكمال مسار الانتقال الديمقراطي، وفرض الأمن على كامل الأراضي السورية، يمثل شرطًا حاسمًا لاستمرار الدعم الدولي واستعادة موقع سوريا داخل النظام العالمي.

ثمرة نضال شعبي لا يُمكن تجاهله

لا يمكن فصل هذه التطورات الإيجابية عن التضحيات الهائلة التي قدمها الشعب السوري على مدار 13 عامًا من الثورة والصراع. 

فقد دفعت الحناجر التي هتفت للحرية، والأيادي التي قاومت الاستبداد، والنخب التي سعت إلى بناء بديل ديمقراطي، الثمن الباهظ لإسقاط نظام بشار الأسد، الذي عزل سوريا داخليًا وخارجيًا.

ولعل المكاسب السياسية والاقتصادية اليوم – من رفع العقوبات، إلى العودة لـ”سويفت”، إلى الدعم الأوروبي – ليست إلا نتائج مباشرة لنضال الشعب السوري في سبيل استعادة قراره الوطني وبناء مستقبل حر.

لذلك فإن أي عملية إعادة إعمار أو إصلاح اقتصادي لا يمكن أن تكتمل دون تمكين هذا الشعب من قيادة المرحلة القادمة، لا باعتباره متلقيًا للمساعدات، بل صانعًا للقرار.

ختامًا، فإن عودة سوريا إلى نظام “سويفت” ليست مجرد إجراء مالي، بل هي إشارة إلى بداية فك العزلة الدولية والانطلاق نحو مرحلة جديدة من التعافي والانفتاح. لكن هذا المسار سيبقى هشًا ما لم يُدعَم بإصلاحات سياسية حقيقية، وسيادة القانون، وضمان حقوق الإنسان، وهي شروط ضرورية لتحويل الفرص إلى إنجازات دائمة.

اقرأ أيضًا : التنف أم الحسكة؟ القاعدة التي لن تغادرها أمريكا في سوريا