في مشهد تضامني لافت، خرجت جبهة “الخلاص الوطني” التونسية، الأحد، في مسيرة شعبية وسط العاصمة، استجابة لنداء المقاومة الفلسطينية بتنظيم تحركات عالمية تنديدًا بالعدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة.
تجمّع المئات في ساحة الجمهورية، ثم انطلقوا في مسيرة سلمية باتجاه الشارع الرئيسي حيث يقع المسرح البلدي، وهم يرفعون شعارات من قبيل “الشعب يريد تحرير فلسطين”، و”غزة غزة رمز العزة”، و”مقاومة مقاومة لا صلح ولا مساومة”، إضافة إلى شعارات أخرى تُحمّل الأنظمة العربية مسؤولية الحصار المفروض على القطاع، منها “يا حكام العار غزة تموت بالحصار” و”افتح افتح معبر رفح”.

هذه التظاهرة لم تكن مجرد فعالية تضامنية تقليدية، بل جاءت في سياق تحركات متصاعدة من الشارع التونسي ضد ما وصفه المحتجون بـ”التواطؤ العربي والدولي” مع الكيان الصهيوني، وخاصة تجاه السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى تجويع المدنيين الفلسطينيين وتحطيم مقومات صمودهم.

رفض واضح لمشاريع تصفية القضية وتأكيد على خيار المقاومة
وفي تصريح قوي خلال المسيرة، قال رئيس جبهة “الخلاص” أحمد نجيب الشابي إن “العدو الصهيوني فشل في تحقيق أهدافه رغم المجازر وتجويع الأطفال”، متهما بعض الأنظمة الغربية والعربية بالتواطؤ من أجل فرض واقع جديد في غزة عبر تسليم السلاح الفلسطيني لعناصر أمنية “يتم تدريبها في مصر والضفة لإدارة غزة بديلاً عن المقاومة”.
وهاجم الشابي هذه المخططات التي تهدف – حسب قوله – إلى “قبر القضية الفلسطينية واستبدال شعبها بكيان هجين”، معتبرا ذلك “جريمة ضد الإنسانية تُدار تحت غطاء دولي وعربي”.
وأكد أن “فلسطين تتعرض لمحاولة اقتلاع شعبها من أرضه”، داعياً إلى التمسك بخيار المقاومة، ومشيداً بثبات الفلسطينيين الذين “يسلمون أرواحهم ولا يسلمون سلاحهم”، في إشارة رمزية إلى صمود المقاومة رغم الحصار والمجازر.

هذا الموقف الحازم من الشابي يعكس رفضًا مطلقًا لأي مشروع دولي أو إقليمي يسعى لتحويل غزة إلى منطقة منزوعة السلاح، أو لفرض سلطة بديلة عن القوى المقاومة، وهو ما يتماهى مع المواقف التي تعلنها فصائل فلسطينية رافضة لمشاريع ما بعد الحرب التي يُراد فرضها على القطاع.

النهضة: علينا كسر الصمت الرسمي العربي وتحريك الشعوب
من جهته، اعتبر الناطق الرسمي باسم حركة “النهضة”، عماد الخميري، أن الخروج في هذه المسيرة هو “أضعف الإيمان تجاه ما يتعرض له شعب فلسطين من قتل وتجويع وإبادة جماعية”.
وقال إن “هذا التحرك الشعبي يهدف إلى ممارسة الحد الأدنى من الضغط على الأنظمة العربية، التي لا تزال تقف في مربع المتفرج”، مطالبًا بتحرك رسمي يرقى إلى مستوى المجازر المرتكبة يوميًا في غزة.
وأكد أن الصراخ في الشوارع قد لا يغيّر موازين القوى، لكنه “يرسل رسالة بأن الشعوب العربية لا تقبل التواطؤ ولا الاستسلام”، داعيًا إلى تجاوز خطاب التضامن إلى أشكال نضال شعبي مستمر يمكنها أن تحدث فرقًا على المدى الطويل.

وتأتي هذه التصريحات في وقت تتسع فيه رقعة الغضب العربي تجاه أنظمة المنطقة، التي يرى المحتجون أنها تخلّت عن الحد الأدنى من التزاماتها تجاه القضية الفلسطينية، بل ويذهب البعض لاتهامها بالمشاركة غير المباشرة في مشاريع تصفية القضية، من خلال التطبيع أو الصمت المريب إزاء الجرائم.

أرقام صادمة من غزة وسط صمت رسمي عربي مريب
بالتزامن مع هذه المسيرة، أعلنت وزارة الصحة في قطاع غزة عن أرقام جديدة صادمة لحصيلة الإبادة الجارية، حيث بلغ عدد القتلى منذ بداية العدوان أكثر من 60,839 شهيداً، بينما تجاوز عدد المصابين 149,588 جريحًا، في ظل انهيار شبه كامل للبنية الصحية في القطاع.

ومن بين هذه الأرقام، كان 1,487 شهيدًا من المدنيين الذين سقطوا أثناء انتظارهم المساعدات الغذائية، في واحدة من أبشع صور استخدام التجويع كسلاح حرب، بحسب تقارير أممية.

كما استقبلت مستشفيات القطاع خلال الساعات الـ24 الماضية 65 شهيدًا وأكثر من 511 إصابة من مواقع توزيع المساعدات، في وقت تواصل فيه إسرائيل سياسة استهداف التجمعات السكانية والممرات الآمنة المخصصة لإيصال الغذاء.

هذه الأرقام تكشف حجم الكارثة التي يمر بها قطاع غزة، وتؤكد صحة ما ذهب إليه المحتجون في تونس بأن ما يجري في القطاع “ليس مجرد حرب بل إبادة كاملة”، يتم تنفيذها بتقنيات حديثة وبدعم دبلوماسي غربي وصمت عربي.

تونس في قلب المعركة الأخلاقية: هل تتحول الموجة الشعبية إلى حراك سياسي؟
تعكس هذه المسيرة الشعبية في تونس – التي نظّمتها جبهة “الخلاص” وانضمت إليها شخصيات من حركة النهضة – مؤشراً على أن القضية الفلسطينية لا تزال تحتل موقعاً مركزياً في وجدان الشارع التونسي، على الرغم من الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تعصف بالبلاد.

كما تطرح هذه التحركات تساؤلات حول إمكانية تحوّل التعاطف الشعبي إلى قوة سياسية ضاغطة تستطيع أن تغيّر مواقف النخب الحاكمة، خصوصًا في ظل تزايد الأصوات التي تطالب بمواقف أكثر حزمًا من الحكومة التونسية تجاه الاحتلال.

إن ما حدث في شوارع تونس العاصمة الأحد ليس مجرد تضامن موسمي، بل هو رسالة واضحة بأن القضية الفلسطينية لا تزال حية، وأن الوعي الشعبي يرفض تسوية بائسة على أنقاض المجازر، ويؤمن بأن تحرير فلسطين يمرّ عبر دعم المقاومة، ورفض التواطؤ، وكسر الصمت.

اقرأ أيضا : بن سلمان والتطبيع المؤجل.. كيف أعادت حرب غزة ترتيب أولويات السعودية؟