لم يعد النزوح في السودان حالة طارئة، بل أصبح القاعدة الجديدة للحياة اليومية في البلاد.
فبحسب منظمة الهجرة الدولية، اضطر أكثر من 1100 مدني إلى الفرار من مدينة بارا في ولاية شمال كردفان خلال الساعات الأخيرة فقط، بعد تصاعد الهجمات التي نفذتها قوات الدعم السريع.
ومع هذا النزوح الجديد، يرتفع العدد الإجمالي للنازحين في الولاية خلال أربعة أيام فقط إلى أكثر من 35,600 شخص، معظمهم توجهوا نحو مدينة الدويم في ولاية النيل الأبيض بحثاً عن مأوى مؤقت.
المنظمة أوضحت أن هذا التحرك السكاني الأخير يأتي ضمن سلسلة نزوح متكررة من مناطق شيكان، الرهد، بارا، أم روابة، وأم دم حاج أحمد، التي تحولت إلى ساحات قتال مفتوحة بين الجيش والدعم السريع، وسط تدهور حاد في الأوضاع الإنسانية والأمنية.
طائرات مسيّرة ومجازر ميدانية
في الوقت الذي توثق فيه الأمم المتحدة حركة النزوح، كانت الأنباء القادمة من شمال كردفان تتحدث عن مجزرة جديدة.
فقد شنت قوات الدعم السريع هجوماً بطائرة مسيّرة على منطقة زريبة الشيخ البرعي، ما أدى إلى وقوع قتلى وجرحى من المدنيين.
كما أكدت شبكة أطباء السودان المستقلة مقتل 38 مدنياً في بلدة أم دم حاج أحمد في هجوم آخر نفذته القوة نفسها.
هذه الهجمات تمثل تحولاً خطيراً في طبيعة العمليات العسكرية، إذ لم تعد المعارك تقتصر على المواجهات البرية، بل انتقلت إلى استخدام المسيّرات ضد التجمعات السكانية، في خرق صارخ لقوانين الحرب الدولية.
“الدعم السريع” تسيطر على بارا.. والجيش يتراجع
تزامنت مجازر شمال كردفان مع توسع ميداني جديد لقوات الدعم السريع، التي أعلنت سيطرتها على مدينة بارا بعد معارك عنيفة مع الجيش السوداني.
ورغم نفي القوة استهدافها للمدنيين، إلا أن الوقائع الميدانية وتقارير المنظمات المستقلة تشير إلى نمط متكرر من الانتهاكات الواسعة النطاق، بما في ذلك القتل العشوائي، النهب، وتدمير الممتلكات.
هذا التقدم الميداني يعكس قدرة الدعم السريع على التحرك بحرية في ولايات الغرب، مستفيدة من هشاشة البنية العسكرية للجيش وتباعد خطوط إمداده.
من دارفور إلى كردفان.. تمدد جغرافي يعمّق الانقسام
منذ أن اندلعت الحرب بين الجيش والدعم السريع في أبريل 2023، كان القتال يتمحور حول الخرطوم ودارفور.
لكن سيطرة قوات محمد حمدان دقلو (حميدتي) على مدينة الفاشر في أكتوبر 2025، وما تلاها من مجازر موثقة، فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع: مرحلة التمدد الجغرافي نحو كردفان.
الآن، بعد السيطرة على بارا، تبدو قوات الدعم السريع قريبة من ربط ولايات دارفور الخمس بممر ميداني نحو وسط السودان، وهو ما يهدد بإعادة رسم الخريطة الجغرافية والسياسية للبلاد.
وبينما يحتفظ الجيش السوداني بسيطرته على 13 ولاية أخرى تشمل الخرطوم، الجزيرة، والشرق، إلا أن هذا التوزيع الجديد يعزز واقعاً مقلقاً:
السودان يتجه نحو تقسيم فعلي، حيث يصبح الغرب تحت قبضة الدعم السريع، والوسط والشمال في يد الجيش.
أزمة إنسانية تتفاقم.. والمجتمع الدولي غائب
حتى الآن، لم تُترجم التحذيرات الدولية إلى أي تحرك فعلي لوقف الكارثة الإنسانية المتصاعدة.
فمنذ بدء الحرب، قُتل عشرات الآلاف، ونزح أكثر من 13 مليون شخص داخل وخارج السودان، في واحدة من أسوأ أزمات النزوح على مستوى العالم.
ومع كل يوم يمر، تتضاعف المأساة:
-
المخيمات تكتظ بالنازحين في ظروف معيشية قاسية.
-
المدارس والمستشفيات تُدمَّر أو تُستخدم لأغراض عسكرية.
-
المساعدات الإنسانية تواجه عراقيل بسبب انعدام الأمن وانتشار الميليشيات.
ورغم أن قائد الدعم السريع حميدتي اعترف بوقوع “تجاوزات” في الفاشر، فإن ذلك لم يمنع قواته من تكرار النمط ذاته في كردفان، ما يعكس غياب الإرادة الحقيقية للمحاسبة أو الإصلاح داخل صفوف القوة.
خلاصة تحليلية
ما يجري في شمال كردفان ليس مجرد جولة جديدة من الصراع، بل تكرار لسيناريو الفاشر مع اختلاف الجغرافيا فقط.
إنها حرب إبادة بطيئة تدفع المدنيين إلى الهرب في جماعات، بينما تتنازع القوى العسكرية على الخراب.
ومع استمرار صمت المجتمع الدولي، تتحول كل مدينة تسقط بيد الدعم السريع إلى جرح جديد في جسد السودان الواحد، وإلى خطوة إضافية في طريق تقسيم البلاد فعلياً بين جيش منهك وميليشيا منفلتة.
شمال كردفان اليوم.. مرآة لما قد يصبح عليه السودان غداً، إذا استمر العالم في إدارة ظهره لأكبر مأساة إنسانية في إفريقيا الحديثة.
اقرأ أيضا: الدور الإماراتي في حرب السودان: الرواية الرسمية مقابل الأدلة الدولية