في مشهد يصفه كثيرون بأنه سابقة قضائية بالغة الدلالة في السودان، بدأت محكمة مكافحة الإرهاب، خلال الأيام الماضية، أولى جلسات محاكمة قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”، إلى جانب شقيقيه عبد الرحيم والقوني، و15 من كبار قادة الميليشيا، في قضية اغتيال والي غرب دارفور السابق، خميس عبد الله أبكر، وهي الجريمة التي هزت الضمير الإنساني في يونيو 2023، وكشفت عن وحشية غير مسبوقة في الصراع السوداني، وعلاقات خفية متشابكة تقف خلف آلة القتل، يتصدرها دعم النظام الإماراتي المفتوح لحميدتي وميليشياته.

اغتيال مروع لوالي انتقد جرائم الدعم السريع
بدأت فصول الجريمة في صباح 14 يونيو 2023، حين ظهر خميس أبكر، والي غرب دارفور آنذاك، في تسجيل مصوّر اتهم فيه قوات الدعم السريع، والمليشيات المتحالفة معها، بارتكاب مجازر إبادة جماعية بحق المدنيين في مدينة الجنينة، عاصمة الولاية.
لم تمر ساعات على هذه التصريحات حتى تم اختطافه، ليتضح لاحقًا أن مجموعة يقودها عبد الرحمن جمعة، القائد الميداني لقوات الدعم السريع في غرب دارفور، قد اقتادته مكبلاً، قبل أن تظهر مقاطع مصورة توثق تصفيته بإطلاق الرصاص على رأسه وجسده، والتمثيل بجثمانه أمام الكاميرات.
مشهد الجريمة لم يكن عملاً عشوائيًا بل رسالة دموية تحمل توقيعًا واضحًا من قيادة الدعم السريع، في محاولة لإخماد صوت أحد أبرز المسؤولين الذين أصروا على كشف جرائم الحرب والإبادة الجماعية، وهي جرائم وُثقت لاحقًا في آلاف الشكاوى والبلاغات التي جمعتها اللجنة الوطنية للتحقيق في انتهاكات الدعم السريع.
محاكمة تاريخية.. وتهم ثقيلة تقود إلى أبو ظبي
أمام قاضي محكمة الإرهاب، وُجهت لحميدتي وشقيقاه وقادة آخرين في قواته، تهمٌ خطيرة، بينها الاشتراك الجنائي، والتحريض، والاتفاق الجنائي، والمعاونة، وتقويض النظام الدستوري، وإثارة الحرب ضد الدولة، والتعدي على الموتى، والحجز غير المشروع، وهي اتهامات تكشف طبيعة الجرائم المنظمة التي ارتُكبت بحق المواطنين والمسؤولين في غرب دارفور وسواها.
لكن وراء المتهمين الظاهرين في قفص المحكمة، هناك متهمٌ آخر يهمس الجميع باسمه دون أن يُنطق به رسميًا: الإمارات. فمنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، تتواتر الأدلة والتقارير عن دور أبو ظبي في تمويل وتسليح مليشيات حميدتي، وتقديم الدعم اللوجستي لها عبر قاعدة “الخادم” الجوية، أو من خلال إرسال شحنات الأسلحة عبر ليبيا وتشاد.
وتشير تقارير دولية صادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية إلى أن الإمارات كانت شريان الحياة الرئيسي لميليشيات حميدتي، وقدمت لها مساعدات عسكرية متطورة، بينها طائرات مسيّرة ومدرعات وأجهزة اتصال، ساعدت في شن عمليات تطهير عرقي ضد جماعات الزغاوة والمساليت في غرب دارفور، وهي ذات الجرائم التي اتُهمت بها قوات الدعم السريع في قضية اغتيال الوالي خميس أبكر.
خميس أبكر.. من قائد سلام إلى شهيد الحقيقة
لم يكن خميس أبكر مجرد مسؤول إداري في ولاية نائية، بل كان زعيمًا سياسيًا لحركة “التحالف السوداني”، وهي إحدى الحركات المسلحة التي انخرطت في اتفاق سلام جوبا الموقّع في أكتوبر 2020 مع الحكومة الانتقالية.
وقد مثلت مشاركته في السلطة علامة على رغبته في تحقيق السلام وتثبيت الاستقرار، لكن حين اصطدم بممارسات الدعم السريع، اختار الانحياز للحقيقة على حساب السلام الزائف، فدفع حياته ثمنًا لذلك.
بجسده المُثخن بالرصاص، ووجهه الذي لم تفلح الخوذة في حمايته من التمثيل، أصبح أبكر رمزًا للمأساة السودانية، وصار اسمه مرتبطًا بأحد أبشع الاغتيالات السياسية في تاريخ السودان المعاصر.
العدالة تصعد السلم ببطء.. ولكن بثبات
تُعتبر المحاكمة الحالية اختبارًا جادًا لإرادة الدولة السودانية في إرساء العدالة ومحاسبة مجرمي الحرب، لكن نجاحها يعتمد على كسر حلقات التواطؤ الإقليمي والدولي التي تقف خلف حميدتي، وفي مقدمتها النظام الإماراتي. فبقاء داعمي المليشيات في منأى عن المحاسبة، يُضعف قدرة القضاء السوداني على محاكمة الجريمة كاملة، ويترك الباب مفتوحًا أمام تكرارها في أماكن أخرى.
وحتى الآن، لا تزال الحكومة السودانية تتجنب توجيه الاتهام رسميًا للإمارات، رغم تسريب تقارير استخباراتية تشير إلى دعمها اللوجستي والمالي لقوات الدعم السريع، بما يشمل تمويل رحلات الطائرات المسيّرة وإدارة غرف عمليات استخباراتية داخل إقليم دارفور.
خاتمة: هل تسير المحاكمة إلى نهايتها العادلة؟
تبقى هذه المحاكمة لحظة نادرة في مسار العدالة الانتقالية في السودان، وقد تُشكل بداية جديدة إن لم يتم وأدها بالصفقات السياسية والضغوط الإقليمية.
ولعل السؤال الأكبر الذي يطرحه السودانيون اليوم: هل سيصل التحقيق إلى الرأس المدبر في أبو ظبي، أم ستُختصر المحاكمة على المنفذين المحليين؟
في النهاية، يترقب الشارع السوداني والعالم هذه القضية، لا باعتبارها محاكمة لمليشيا فحسب، بل كمعركة فاصلة بين منطق الدولة ومنطق العصابة. بين العدالة والمجازر، وبين سيادة السودان وإملاءات الداعمين الخارجيين، خاصة من الإمارات التي تحولت إلى شريك خفي في الكارثة السودانية.
اقرأ أيضًا : حصار إماراتي في قلب السودان: مأساة الفاشر تكشف دور أبوظبي في تغذية الموت والجوع