وصف الدكتور أندرياس كريغ، الأستاذ المشارك في كلية الدفاع الملكية البريطانية والخبير في الشؤون الأمنية والسياسية، الدعوة الرسمية التي أطلقتها الإمارات للمواطنين والمقيمين الأجانب على حد سواء بالتعهد بالولاء المطلق لرئيس البلاد، بأنها خطوة استعلائية أشبه ما تكون بـ “دفع الجزية” لرئيس النظام محمد بن زايد. 

وفي منشور له على منصة “إكس”، أبدى الأكاديمي البريطاني استغرابه الشديد وصدمته من هذه العقلية الأمنية، متسائلاً بكهف ووضوح عن الدوافع الكامنة وراء شعور النظام في أبوظبي بالضرورة الملحة لفرض هذا الالتزام السياسي، وإجبار القاطنين على أرضه من مواطنين ووافدين على دفع “جزية الولاء” والتبعية المباشرة للشيخ محمد بن زايد وحكمه الفردي المتسلط.

وجاء هذا الهجوم الأكاديمي الدولي في أعقاب إطلاق وزير التسامح والتعايش الإماراتي، الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، حملة بروباغندا سياسية واسعة النطاق لتسليط الضوء على ما وصفها بـ “إنجازات” محمد بن زايد في قيادة الدولة. وتضمنت الحملة دعوة صريحة ومثيرة للجدل ألزمت ليس فقط مواطني الدولة، بل وملايين المقيمين والوافدين الأجانب الذين يعيشون هناك بداعي العمل، بتقديم تعهد رسمي مكتوب يدعمون فيه البلاد وقيادتها السياسية؛ وذلك بدعوى تقدير الدور التوجيهي والأمني للرئيس، في خطوة تعكس ذروة النرجسية والعنجهية السياسية التي تحاول تطويع الضمائر وفرض مبايعة قسرية عابرة للجنسيات.

آليات القمع الرقمي وتوظيف تكنولوجيا الرقابة لجمع التعهدات

وجرى الإعلان عن هذه الحملة الاستعراضية خلال فعالية رسمية كبرى أقيمت في “مركز أبوظبي للطاقة”، قبل أن تعمد الأجهزة الأمنية والتنفيذية إلى توسيع نطاق المشاركة وفرضها رقمياً عبر الفضاء الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث تم نشر رمز الاستجابة السريعة (QR) وموقع إلكتروني خاص وموجه لجمع صكوك الولاء والمبايعة. وتأتي هذه التحركات المكثفة لتشكل حلقة جديدة من مسلسل صناعة الديكتاتورية وتأليه الحاكم، بعد أن دعا محمد بن زايد نفسه في التاسع من نيسان/ أبريل الماضي جميع السكان في الإمارات إلى رفع العلم وإظهار الدعم لصمود وقوة سلطته، في محاولة يائسة للتغطية على الهشاشة الأمنية والانكسار الاستراتيجي الذي شهده الكيان عقب تعرضه لأول هجوم مباشر بالصواريخ والمسيرات من إيران في الثامن والعشرين من فبراير/ شباط الماضي.

وينص نص التعهد المجحف الموجه للناس حرفياً على عبارات تُذكي كبرياء وعنجهية الحاكم وتلغي كرامة المحكومين؛ حيث جاء فيه: “يداً بيد، نحن مواطنو ومقيمو هذه الأرض المباركة، نتعهد بولائنا وإخلاصنا لقائدنا الحكيم، صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان”. كما تضمن صك التبجيل عبارات تصف رئيس الدولة بأنه موفر “الأمن والسلامة”، وبأنه “رجل دولة يتخذ قرارات سليمة بعزيمة وشجاعة”، و”نموذج يحتذى به ونور هادٍ في التفاني والخدمة وحب الوطن”، وهو ما يراه مراقبون حقوقيون ابتزازاً سياسياً رخيصاً يُجبر العاملين والوافدين على التوقيع تحت طائلة الخوف من الطرد أو الملاحقة الأمنية.

التسلط العابر للجنسيات وسقوط قناع التسامح الزائف

ويكشف هذا التعهد الفج عن الوجه الحقيقي والتسلطي لنظام بن زايد الذي تجاوز كل أشكال الدكتاتوريات التقليدية عبر مطالبة ملايين الوافدين الأجانب -الذين يتواجدون في البلاد بعقود عمل اقتصادية مؤقتة ولا يتمتعون بأي حقوق سياسية أو مدنية أو مواطنة- بتقديم الولاء والطاعة لشخص الحاكم ومبايعته كقائد ملهم. ويسقط هذا التوظيف الأمني والاستبدادي كل الشعارات البراقة التي تروجها أبوظبي حول “التسامح والتعايش” والحرية، مبرهناً على أن هذه العناوين ليست سوى مساحيق تجميلية تخفي خلفها نظاماً بوليسياً شمولياً يدار بعقلية المزرعة الخاصة، حيث يرى الحاكم في كل من يطأ أرضه تابعاً وممتثلاً لعقد إذعان سياسي يستوجب دفع “جزية الولاء” لضمان بقائه في وظيفته أو تجديد إقامته.

وفي المحصلة، فإن قراءة الباحث البريطاني أندرياس كريغ وحملات السخرية والانتقاد الدولية التي صاحبت هذا التعهد تترجم الرفض العالمي لأساليب الابتزاز التي يمارسها محمد بن زايد ضد المقيمين في الإمارات؛ إن استجداء الشرعية وتغطية الهزائم العسكرية الإقليمية بانتزاع الولاءات قسراً من العمال الأجانب والشركات الاستثمارية تحت الضغط الرقمي والتهديد الأمني، هو دليل ضعف لا قوة. وستبقى هذه “الجزية السياسية” المسمومة وصمة عار في تاريخ النظام الإماراتي، تؤكد أن العنجهية والتكبر وتأليه الفرد قد بلغت مداها في عاصمة الزجاج، لتتحول الدولة إلى سجن كبير يطالب الجميع فيه بالهتاف بحياة الطاغية لضمان العيش والسلامة.

اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين