في مشهد احتجاجي صارخ يعكس الوعي المتزايد بالعدالة العالمية ورفض التواطؤ مع الجرائم ضد الإنسانية، شهدت العاصمة الجنوب أفريقية بريتوريا، الجمعة، تظاهرة غاضبة أمام سفارة دولة الإمارات العربية المتحدة، شارك فيها عشرات النشطاء المناصرين للقضية الفلسطينية، اتهموا خلالها أبوظبي بالتواطؤ المباشر وغير المباشر في “الإبادة الجماعية” التي يتعرض لها الفلسطينيون في قطاع غزة، من خلال دعمها الاقتصادي والدبلوماسي للاحتلال الإسرائيلي.
الفعالية ترافقت مع احتجاجات مماثلة أمام القنصلية البريطانية في كيب تاون ومركز الهولوكوست والإبادة الجماعية، ضمن يوم تضامن عالمي دعت إليه حملة التضامن مع فلسطين (PSC)، لتسليط الضوء على الجرائم المرتكبة في غزة ومحاسبة المتواطئين معها.

أبوظبي في مرمى الاتهامات.. شراكة الدم والربح
لم يكن اختيار النشطاء لسفارة الإمارات في بريتوريا عشوائياً، بل يعكس تحوّل النظرة العالمية نحو الدور المتزايد لأبوظبي في توفير مظلة للتطبيع وتوفير دعم اقتصادي، يوصف بأنه شريان حياة للاحتلال. فقد حمل المحتجون لافتات كُتب عليها “أوقفوا تواطؤ الإمارات”، و”أرباحكم تُموّل قنابل الاحتلال”، ونددوا بالصمت الإماراتي إزاء المجازر الإسرائيلية في القطاع، بل واعتبروه شكلاً من أشكال الدعم الفعلي للجرائم، خاصة في ظل استمرار العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية بين الإمارات وإسرائيل رغم اتساع رقعة المجازر.
وتقف الإمارات منذ توقيع “اتفاقيات أبراهام” عام 2020 في طليعة الدول المطبّعة مع الاحتلال، وسعت منذ ذلك الحين إلى تعزيز التعاون التجاري والعسكري معه، إذ تشير تقارير إلى صفقات سلاح واتفاقيات استخباراتية وتكنولوجية متقدمة تم توقيعها بين الطرفين. بل إن أبوظبي استمرت في الترويج لصورتها “كوسيط سلام” بينما توفّر منصة اقتصادية وأمنية تغذّي آلة القتل في غزة.
ويرى مراقبون أن موقف الإمارات لا يقتصر على الدعم الصامت، بل يتعداه إلى الدور النشط في حماية إسرائيل من الضغوط الدولية، سواء عبر علاقاتها داخل مجلس الأمن أو من خلال التأثير على دول الجنوب العالمي. وقد وصفت منظمات حقوقية عدة الإمارات بأنها “أداة فعالة في تبييض صورة الاحتلال” مقابل توسيع نفوذها الإقليمي وتحقيق مكاسب استراتيجية.
جنوب أفريقيا تُجدد ريادتها في مقاومة الفصل العنصري
احتجاجات بريتوريا وكيب تاون تأتي في سياق موقف متقدم اتخذته جنوب أفريقيا، الدولة التي تعرف جيدًا معنى “الأبارتهايد”، إذ سبق أن قادت دعوى رسمية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، تتهمها فيها بارتكاب إبادة جماعية في غزة، وهو ما أعاد الزخم الأخلاقي والدولي للقضية الفلسطينية من بوابة القانون الدولي.
ورغم محاولات بعض الحكومات الغربية الالتفاف على القضية عبر تصريحات “تجميلية” كما وصفها النشطاء، فقد شهدت كيب تاون احتجاجًا أمام القنصلية البريطانية، اتهم فيه المتظاهرون الحكومة البريطانية بالكذب والنفاق، بعد تصريح رئيس وزرائها كير ستارمر عن “النية بالاعتراف بدولة فلسطين”، بينما تواصل لندن تصدير السلاح لإسرائيل ودعمها سياسيًا في المحافل الدولية.
رفع المحتجون أوانيًا فارغة تعبيرًا عن الجوع الذي يعانيه الفلسطينيون في غزة، إلى جانب لافتات تنتقد الدعم البريطاني المباشر للمجازر، فيما رفضت القنصلية استلام مذكرة المحتجين بحجة الإغلاق، في خطوة فُهمت بأنها استخفاف بالمطالب الإنسانية العاجلة.
أما في مركز الهولوكوست في كيب تاون، فكان المطلب واضحًا: الاعتراف بما يجري في غزة كجريمة إبادة جماعية، وعدم احتكار مفهوم “الإبادة” لتاريخ معين، بل جعله قاعدة أخلاقية وحقوقية تنطبق على جميع الشعوب، بما فيها الفلسطينيون الذين يُقتَلون بالمئات أسبوعيًا دون حماية دولية.
توسع رقعة المقاطعة والمحاسبة الشعبية
هذه الاحتجاجات تمثّل جانبًا من حملة متنامية في جنوب أفريقيا والعالم لمحاسبة الحكومات والشركات المتورطة في دعم الاحتلال، سواء من خلال بيع السلاح، أو الاستثمارات، أو العلاقات الدبلوماسية. وقد طالبت منظمات جنوب أفريقية كبرى بقطع العلاقات مع الإمارات وإسرائيل، وفرض عقوبات على الشركات التي تبيع تقنيات تجسس إسرائيلية أو تعمل في المستوطنات.
يؤكد النشطاء أن استمرار التطبيع العربي، وعلى رأسه الإماراتي، يمنح الاحتلال غطاءً للاستمرار في الإبادة الجماعية، وأن الشعوب الحرة قادرة على كسر هذا الصمت بتحركاتها الشعبية، لا سيما في دول الجنوب التي تشهد تعاطفًا واسعًا مع الفلسطينيين.
في هذا السياق، تتزايد الدعوات لمقاطعة المنتجات الإماراتية، ووقف التعامل مع شركاتها الكبرى العاملة في أفريقيا، باعتبارها واجهة سياسية واقتصادية للنفوذ الإماراتي المتورط في النزاعات الإقليمية والانتهاكات الحقوقية، ليس فقط في غزة، بل أيضًا في السودان واليمن وليبيا.
غضب عالمي لا يمكن تجاهله
إنّ تظاهر عشرات المواطنين في جنوب أفريقيا أمام سفارة الإمارات يحمل دلالات سياسية قوية تتجاوز حدود الجغرافيا. فالعالم لم يعد يرى في أبوظبي دولة سلام، بل طرفًا متورطًا في شبكات دعم الاحتلال والقمع. والرسالة التي حملها المحتجون واضحة: لا صمت بعد اليوم أمام التواطؤ، سواء جاء من عواصم غربية أو عربية.
لقد أعادت جنوب أفريقيا عبر هذه الاحتجاجات تفعيل صوت الضمير العالمي، تمامًا كما فعلت أيام مقاومة الأبارتهايد. ويبقى السؤال: هل تسمع الأنظمة المستبدة صوت الشعوب قبل أن تسقط شرعيتها الأخلاقية؟
اقرأ أيضًا : الاحتجاجات تشتعل في حضرموت.. غضب شعبي على تدمير الإمارات لليمن وقمع المطالب المعيشية