رغم امتلاكهم لأحدث الأسلحة وتفوقهم العددي والتكنولوجي، يعود كثير من جنود الاحتلال الإسرائيلي من قطاع غزة وهم يحملون على ظهورهم أشباح ما ارتكبوه هناك، ليجدوا أنفسهم أمام عدو لا يُرى: أنفسهم. 

فقد شهد الأسبوع الماضي وحده أربع حالات انتحار بين جنود احتياطيين شاركوا في العدوان على غزة، بينهم ثلاثة ماتوا على الفور، فيما الرابع يصارع الموت في العناية المركزة. ومع تزايد هذه الحوادث، يطرح السؤال نفسه بقوة: لماذا ينتحر جنود الاحتلال العائدون من غزة؟ وماذا جرى لهم هناك حتى فضّلوا الموت بأيديهم بعد أن مارسوه بحق آلاف الفلسطينيين؟

صدمات ما بعد الإبادة: من القاتل إلى القتيل

الانتحار في صفوف الجنود ليس ظاهرة جديدة، لكنه اتخذ بعدًا مقلقًا في الجيش الإسرائيلي بعد حرب غزة الأخيرة. تؤكد شهادات الجنود المنتحرين أو من سبقوهم إلى المصحات النفسية أن غزة لم تكن ساحة معركة فحسب، بل كانت ساحة لتحطيم النفوس. اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) يظهر بقوة، حيث تتكرر الكوابيس، ونوبات القلق، وفقدان الشعور بالأمان. أحد الجنود اعترف بأنه يبول على نفسه ليلًا، ويضرب زوجته يوميًا، لأنه لا يستطيع الهروب من مشاهد القذائف والموت المحيط به. وآخر أطلق النار على رفاقه في قاعدة عسكرية، ظنًّا منه أنه لا يزال وسط المعركة في غزة.

هذه الانفجارات النفسية ليست ناتجة فقط عن خوف الجنود من الموت، بل أيضًا من الذنب المتراكم بسبب الجرائم التي ارتكبوها، خاصة في ظل التغطيات التي أظهرت مشاهد مروّعة لمجازر إسرائيل بحق المدنيين. بعض الجنود يعترفون بأنهم لم يعودوا قادرين على النظر في عيون أطفالهم، بعد أن قتلوا أطفالًا في غزة. ويصفهم مختصون بأنهم يمرّون بحالة “تفكك أخلاقي”، إذ يجدون أنفسهم غير قادرين على التوفيق بين ما فعلوه وما يؤمنون به نظريًا كـ”جنود لأخلاقيات الجيش الإسرائيلي”.

عزلة، انهيار، واختناق داخلي

العزلة العاطفية التي يعيشها الجنود بعد عودتهم من جبهات القتال في غزة تزيد من المأساة. كثيرون يفشلون في العودة للحياة الطبيعية. يشعرون بأن لا أحد يفهمهم، وأن ما مروا به لا يمكن وصفه. تبدأ سلسلة من التفكك العائلي، والعنف المنزلي، والعدمية، ما يقود البعض منهم إلى اتخاذ القرار بإنهاء حياته.

وقد نقلت وسائل إعلام عبرية عن إحدى الأمهات، أن ابنها الجندي المنتحر لم يكن ينام إلا وهو يشمّ رائحة “اللحم البشري المحترق”، ولم تفارق ذاكرته صور رفاقه المقطّعين، وهو يحملهم على نقالة من غزة. هذه الصور التي كانت مجرد “إنجازات عسكرية” في نشرات الجيش، تحولت إلى كوابيس لا ينجو منها الجنود أنفسهم.

وفي حادثة أكثر بشاعة، أشعل جندي يُدعى دانيال إدري النار في نفسه داخل سيارته في غابة قرب صفد، بعدما فشل في الحصول على علاج نفسي رغم شكواه المستمرة من “صوت الصراخ” في أذنه، ورائحة الدماء التي تطارده.

مقاومة لا تُهزم وجيش لا يتحمّل الخسارة

لعل أحد العوامل التي فاقمت الأزمة النفسية للجنود هو فشلهم في تحقيق نصر عسكري رغم استعمالهم أقصى درجات القوة والدمار. فقد واجهوا مقاومة شديدة من حركات المقاومة في غزة، خاصة في جباليا وخان يونس والشجاعية. الكمائن، والعبوات، والانفجارات تحت الآليات، جعلت كثيرين يفقدون الثقة بقدرتهم على النجاة. هذا العجز عن تحقيق تقدم في معركة غير متكافئة على الورق، حطم معنويات الجنود الذين دخلوا الحرب وهم يظنون أنها نزهة، فوجدوا أنفسهم في جحيم نفسي لا مخرج منه.

صحف عبرية تحدثت عن انتحار طيار برتبة رائد، خدم سابقًا في وحدة 8200 الاستخباراتية، وقال قبل موته إنه “لم يعد يحتمل صورة الأهداف المدنية التي كان يقصفها، وصراخ الأطفال تحت الركام”. ورغم خدمته الطويلة، لم تنقذه الرتب والمهارات من اختناق روحي لم يجد له علاجًا سوى في رصاصة موجهة إلى رأسه داخل غابة نائية.

التستر على الحقيقة: الجيش يخاف من الأرقام

الاحتلال الإسرائيلي لا يريد أن يظهر أمام جمهوره بمظهر المتداعي نفسيًا. لذلك رفضت الرقابة العسكرية، بحسب إذاعة الجيش، الكشف عن أعداد المنتحرين. حتى الآن، لا توجد أرقام رسمية منشورة رغم مطالبات برلمانية في الكنيست. قادة الجيش يرفضون عقد جلسات طارئة للنقاش، ويؤجلون الكشف عن المعلومات إلى يناير 2026.

لكن المعارضة الإسرائيلية، وعلى رأسها يائير لابيد، تحدثت عن أرقام صادمة: 40 انتحارًا منذ بدء العدوان على غزة، بينهم 20 منذ مطلع عام 2025 فقط. هذا الرقم لا يشمل من تم تصنيفهم في البداية على أنهم “وفيات عرضية” قبل أن يعاد تصنيفهم لاحقًا كـ”منتحرين”.

خاتمة: غزة تقاوم في عقول الغزاة بعد المعركة

يبدو أن غزة، وإن دُمرت أحياؤها، لا تزال تقاوم داخل العقول والضمائر التي داهمتها ذات ليل. الجنود الذين صمتوا وهم يرتكبون المجازر، صاروا يصرخون وحدهم في الليل، حتى اختار بعضهم الموت هربًا من موت داخلي أشد ألمًا. وبينما يواصل الاحتلال عدوانه، تتساقط أوراقه من الداخل، في معركة لا تظهر في الإعلام، لكنها تحصد جنوده بصمت. فهل سيعترف الاحتلال يومًا بأن غزة هزمته في ميدانه الأخلاقي، قبل أن تهزمه على الأرض؟

اقرأ أيضًا : السويداء بين سلاح الداخل وغارات الخارج.. هل تنجح الدولة السورية في فرض الأمن؟