اعترف جيش الاحتلال الإسرائيلي، مساء السبت، بمقتل أحد ضباطه خلال معارك عنيفة مع المقاومة الفلسطينية جنوب قطاع غزة، في تطور جديد يكشف حجم الخسائر البشرية التي يتكبدها الجيش بعد مرور ما يقرب من عامين على عدوانه المتواصل على القطاع.
وأوضح المتحدث باسم الجيش أن القتيل هو قائد فصيل في كتيبة “شمشون” (92) التابعة للواء كفير، وهي كتيبة متخصصة في العمليات داخل المناطق المأهولة، قُتل أثناء الاشتباكات مع مقاومي كتائب القسام بمدينة خانيونس.
هذا الاعتراف يأتي في سياق سلسلة طويلة من الإخفاقات الميدانية التي يواجهها الجيش، حيث لم يعد قادراً على إنكار حجم خسائره، خصوصاً مع تزايد الضغوط الداخلية من عائلات الجنود والأسرى الإسرائيليين الذين يرون أن استمرار الحرب لن يجلب سوى المزيد من القتلى والجرحى دون تحقيق أي إنجاز عسكري حقيقي.
القسام تستهدف الدبابات.. استمرار المعادلة الميدانية
في المقابل، أعلنت كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، أنها تمكنت من استهداف دبابتين إسرائيليتين عبر تفجير عبوات أرضية شرق موقع الروضة جنوب حي الزيتون بمدينة غزة. وأكدت الكتائب أن مقاتليها رصدوا وصول قوة إنقاذ إسرائيلية إلى مكان العملية، ما يعكس حالة الإرباك التي أصابت جيش الاحتلال.
هذه العملية تأتي في إطار استراتيجية المقاومة المستمرة في استنزاف الجيش الإسرائيلي عبر الكمائن الأرضية وضرب مدرعاته التي تشكل عماد تقدمه البري. فقد أثبتت الأشهر الماضية أن الدبابات الإسرائيلية، وعلى رأسها “ميركافا”، لم تعد محصنة أمام تكتيكات المقاومة، بل أصبحت هدفاً سهلاً بفضل خبرة المقاتلين المحليين وتوسع شبكة الأنفاق التي تحولت إلى كابوس دائم لجنود الاحتلال.
الضغوط الداخلية.. عائلات الأسرى في مواجهة نتنياهو
بالتوازي مع التصعيد العسكري، شهدت تل أبيب ومدن أخرى مظاهرات حاشدة لعائلات الأسرى الإسرائيليين المحتجزين في قطاع غزة، حيث خرج آلاف المحتجين في “ساحة المختطفين” للمطالبة بإبرام صفقة تبادل تضمن الإفراج عن ذويهم. وتحوّلت هذه الساحة إلى رمز متكرر للضغط على الحكومة التي يترأسها بنيامين نتنياهو، في وقت بات واضحاً أن الشارع الإسرائيلي يعيش حالة من الانقسام بين استمرار الحرب أو إنهائها بصفقة شاملة.
وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن حماس تحتجز نحو 50 أسيراً، بينهم 20 على قيد الحياة، في حين يعتقل الاحتلال أكثر من 10 آلاف و800 فلسطيني في سجونه، وسط اتهامات متزايدة باستخدام التعذيب والإهمال الطبي كسلاح ممنهج ضد الأسرى. هذه الأرقام تكشف عن عمق المأزق السياسي والعسكري الذي يواجهه نتنياهو، خصوصاً أن المفاوضات حول الصفقة شهدت تعثراً رغم وجود مقترح أمريكي وافقت عليه حماس ويتطابق إلى حد كبير مع شروط إسرائيل السابقة.
جرائم الاحتلال.. حرب إبادة موثقة
منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ارتكب جيش الاحتلال الإسرائيلي، بدعم مباشر من الإدارة الأمريكية، جرائم ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة. فقد أسفرت العمليات العسكرية عن استشهاد 62,622 فلسطينياً وإصابة أكثر من 157 ألفاً، معظمهم من النساء والأطفال، إلى جانب فقدان أكثر من 9 آلاف شخص لم يعرف مصيرهم حتى اللحظة. كما يعيش مئات آلاف النازحين أوضاعاً كارثية في ظل حصار خانق ومجاعة أزهقت أرواح 281 شخصاً بينهم 114 طفلاً.
وتشير تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية إلى أن إسرائيل لم تكتفِ بالقصف العشوائي والتدمير الشامل للبنية التحتية، بل تعمدت استهداف المستشفيات، المدارس، ومخازن المساعدات الإنسانية، ما جعل من غزة مسرحاً لحرب ممنهجة هدفها كسر إرادة شعب بأكمله. ويؤكد خبراء القانون الدولي أن هذه الجرائم تمثل انتهاكاً صارخاً لاتفاقيات جنيف ومواثيق حقوق الإنسان، ومع ذلك لا يزال المجتمع الدولي عاجزاً عن فرض أي إجراءات عقابية حقيقية على دولة الاحتلال.
مأزق نتنياهو.. بين صفقة الأسرى واستمرار العدوان
الوضع الراهن يضع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمام معادلة معقدة: فمن جهة يواجه ضغوطاً داخلية متصاعدة للمضي في صفقة تبادل الأسرى، ومن جهة أخرى يحاول الحفاظ على صورته أمام اليمين المتطرف الذي يرفض أي تنازل ويطالب باستكمال السيطرة على ما تبقى من قطاع غزة. ويبدو أن نتنياهو يحاول كسب الوقت عبر تصريحات متناقضة، تارة بالحديث عن بدء مفاوضات فورية، وتارة أخرى عبر التلويح باستمرار العمليات العسكرية حتى النهاية.
لكن الواضح أن الجيش الإسرائيلي لم يعد يمتلك زمام المبادرة، بل بات في موقع الدفاع والاستنزاف، في حين أن المقاومة الفلسطينية نجحت في فرض معادلة جديدة تقوم على ضربات مركزة لدبابات وآليات الاحتلال، مع استمرار صمودها الشعبي والعسكري رغم الكلفة الباهظة.
بهذا، يتضح أن مقتل الضابط الإسرائيلي واستهداف الدبابات ليس مجرد حدث عابر، بل جزء من مشهد أوسع يعكس فشل الاحتلال في حسم المعركة، ونجاح المقاومة في قلب موازين القوة. وفي ظل استمرار جرائم الحرب الإسرائيلية، فإن غزة ما زالت تقاوم، بينما يزداد نتنياهو وحكومته تورطاً في مستنقع لا أفق له، سوى الاعتراف بحقيقة أن القوة وحدها لن تكسر إرادة شعب بأكمله.
اقرأ أيضًا : إدانة أوروبية وأممية لتوسيع الاستيطان.. وتصاعد التهديدات الإسرائيلية لغزة