عاد شباب “جيل زد 212” في المغرب إلى الشوارع، ليجددوا صوتهم المطالب بإصلاحات جذرية في التعليم والصحة ومحاربة الفساد، رافعين شعارات تعكس وعيًا سياسيًا متناميًا، وإحباطًا من الواقع الاجتماعي والاقتصادي. ففي مدن كبرى مثل الرباط والدار البيضاء وطنجة، خرج المئات في مظاهرات سلمية يوم السبت، مؤكدين استمرارهم في الحراك كل سبت وأحد حتى تحقيق مطالبهم، بعد أن توقفوا مؤقتًا مطلع أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

ورغم أن المظاهرات لم تأخذ طابعًا عنيفًا، فإنها حملت رسائل قوية ضد ما يصفه المحتجون بـ”جمود الدولة وغياب العدالة الاجتماعية”، وبرزت فيها هتافات مثل: “حرية، كرامة، عدالة اجتماعية”، و”السراح للمعتقلين”، في إشارة إلى المطالبة بإطلاق سراح الموقوفين في الاحتجاجات السابقة.

هؤلاء الشباب، الذين وُلدوا في منتصف التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، يمثلون جيلاً نشأ في ظل الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، ما جعلهم أكثر وعيًا وأجرأ في التعبير عن آرائهم، وأكثر قدرة على التنظيم الذاتي خارج الأطر الحزبية والنقابية التقليدية.

جيل بلا وسطاء.. غضب رقمي يتحول إلى احتجاج ميداني

تتميز حركة “جيل زد 212” بأنها ظاهرة جديدة في المشهد المغربي، إذ تعتمد على التنسيق الرقمي بدل البنية التنظيمية الكلاسيكية.

فصفحات الحركة على منصات مثل “إنستغرام” و”تيك توك” و”إكس” (تويتر سابقًا) أصبحت ساحات للتعبئة وتبادل الفيديوهات والمطالب، ما جعلها بمنأى عن الرقابة التقليدية وأقرب إلى نبض الشارع.

ويرى مراقبون أن هذا الحراك الشبابي هو امتداد طبيعي لتراكمات الإحباط في أوساط جيل يشعر بالتهميش في سوق العمل وضعف الخدمات العمومية. فمعدلات البطالة بين الشباب تجاوزت 30% وفق تقديرات رسمية، فيما يعاني نظام التعليم من ضعف الجودة، ونظام الصحة من نقص في الكوادر والتجهيزات.

لكن ما يميز هذه الموجة الجديدة من الاحتجاجات، أنها تبتعد عن الشعارات الأيديولوجية أو الحزبية، وتركز على قضايا معيشية ملموسة. فـ”جيل زد” لا يتحدث عن إسقاط النظام أو الثورة، بل عن كرامة المعيشة والحق في تعليم وصحة وفرص عادلة.

إنها مطالب جيل يطالب بالنجاعة لا بالشعارات، وبالتغيير العملي لا الوعود الطويلة الأمد.

الحكومة بين الحوار والاحتواء

أمام تصاعد الاحتجاجات وتفاعل الرأي العام معها، تحركت الحكومة بسرعة لتقديم إجراءات تهدئة. فقد أعلنت الأسبوع الماضي عن تخصيص 140 مليار درهم (نحو 14 مليار دولار) لقطاعي التعليم والصحة في مشروع موازنة 2026، وإحداث أكثر من 27 ألف وظيفة جديدة فيهما.

كما تضمن البيان الحكومي خطة لتشييد مستشفيات كبرى في ست مدن، وتأهيل 90 مستشفى قائمًا، إلى جانب تسريع تفعيل “خارطة الطريق لإصلاح التعليم”، التي تهدف إلى تعميم التعليم الأولي وتحسين جودة التدريس.

هذه الخطوات، رغم أهميتها الاقتصادية، اعتبرها كثير من الشباب المشاركين في المظاهرات “محاولات ترقيعية”، إذ يرى المحتجون أن المشكلة ليست فقط في نقص الموارد، بل في سوء التوزيع والفساد الإداري.

ويؤكد عدد من الناشطين أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الشفافية والمحاسبة، لا من الوعود المالية.

في المقابل، أكدت مصادر حكومية استعدادها للحوار مع ممثلي الشباب، معتبرة أن “المطالب الاجتماعية مشروعة”، لكنها شددت في الوقت نفسه على ضرورة احترام القانون والنظام العام أثناء الاحتجاجات.

جيل يغير قواعد اللعبة السياسية

التحركات الأخيرة تُعيد إلى الأذهان بدايات “حركة 20 فبراير” عام 2011، لكنها تختلف عنها في الشكل والمضمون. فجيل 2011 كان مؤطرًا بشعارات سياسية كبرى، بينما جيل 2025 ينطلق من قضايا حياتية محددة، ويتحدث بلغة أكثر تقنية وعملية.

كما أن أدواته مختلفة: الفيديوهات القصيرة، والوسوم، والبث المباشر، أصبحت وسيلة ضغط مؤثرة على الحكومة والرأي العام.

ويرى خبراء علم الاجتماع أن “جيل زد” في المغرب يعيد تعريف المواطنة، إذ لا ينتظر من الأحزاب أن تمثله، بل يصنع تمثيله بنفسه عبر الإنترنت والشارع.

وبحسب هؤلاء، فإن هذا التحول قد يعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويجبر السلطة على تبني مقاربة جديدة في إدارة المطالب الشعبية.

خاتمة: وعي جديد يطرق باب الإصلاح

يبدو أن “جيل زد 212” نجح في تحريك المياه الراكدة داخل المشهد المغربي، ليس فقط بقدرته على الحشد، بل أيضًا بإصراره على التغيير دون الانجرار إلى العنف.

وإذا استمرت الحكومة في الاكتفاء بالحلول الظرفية دون إصلاح بنيوي، فإن هذا الجيل المتصل بالعالم والواعي بحقوقه قد يتحول من حركة مطلبية إلى قوة ضغط سياسية جديدة.

في نهاية المطاف، لم يعد هؤلاء الشباب مجرد “جيل الإنترنت”، بل جيل يطالب بأن يكون له مكان في صياغة مستقبل بلده، جيل يرى أن الإصلاح لم يعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية لضمان الاستقرار والعدالة في المغرب الجديد.

اقرأ أيضًا : الإمارات تؤجج الحرب.. وفد سوداني في واشنطن لمناقشة خطة أميركية لوقف النار