شهدت مدغشقر خلال الأسابيع الماضية واحدة من أكثر الانتفاضات الشعبية المفاجئة في تاريخها الحديث، إذ قاد جيل الشباب المعروف باسم “جيل زد” (Generation Z) حركة احتجاجية واسعة ضد الفساد وسوء الخدمات، انتهت بإطاحة الرئيس أندريه راجولينا، الذي أعلن في خطاب عبر “فيسبوك” أنه في “مكان آمن” بعد محاولة اغتيال فاشلة، بينما تحدثت المعارضة عن فراره إلى الخارج بعد انضمام وحدات من الجيش إلى صفوف المتظاهرين.

جيل التغيير في شوارع العاصمة
بدأت الشرارة في الخامس والعشرين من سبتمبر/أيلول الماضي، عندما خرج مئات الشباب إلى شوارع العاصمة تناناريف احتجاجًا على أزمة حادة في المياه والكهرباء، لكن سرعان ما تحولت هذه المظاهرات إلى حركة جماهيرية ضخمة حملت شعار “جيل زد ضد الفساد”، في إشارة إلى الجيل الذي وُلد في تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية، والذي يتسم بوعيه السياسي العالي واعتماده على وسائل التواصل الاجتماعي لتنظيم احتجاجاته وتوثيقها.
في غضون أيام، تحولت شوارع العاصمة إلى مركز تفاعل شعبي غير مسبوق، حيث امتلأت الساحات العامة بلافتات تندد بـ”الحكومة الفاسدة” و”الاحتكار الاقتصادي”، بينما نقلت وسائل إعلام محلية مقاطع تُظهر تنسيقًا متطورًا بين النشطاء عبر الإنترنت، ما جعل السلطات عاجزة عن السيطرة على الحركة أو اختراقها.
وقال أحد منظمي الاحتجاجات في تصريح لـ”رويترز” إن جيل زد في مدغشقر “لم يعد يخاف”، مضيفًا: “نحن أول جيل يعيش الأزمة دون أن يرث الخوف من الأنظمة السابقة. نريد حياة كريمة، كهرباء وماء وعدالة، لا وعودًا فارغة”.
الجيش ينقلب على السلطة والرئيس يختفي
مع تصاعد الاحتجاجات واتساع رقعتها، اتخذت الأزمة منحى خطيرًا حين أعلنت وحدة “كابسات” العسكرية، التي لعبت دورًا حاسمًا في انقلاب 2009 الذي أوصل راجولينا إلى السلطة، أنها “لن تنفذ أوامر إطلاق النار على المتظاهرين”، معتبرة أن الجيش “لن يقف ضد شعبه”. هذا الموقف مثّل نقطة تحول فارقة في ميزان القوة داخل البلاد، إذ فقد الرئيس السند العسكري الذي طالما اعتمد عليه لإخماد الاحتجاجات.
في اليوم التالي، أعلنت المعارضة البرلمانية أن الرئيس راجولينا غادر البلاد “بعدما فقد السيطرة على الجيش والأجهزة الأمنية”، مشيرة إلى أنه غادر على متن طائرة تابعة للجيش الفرنسي بتنسيق مباشر مع باريس. وذكرت مصادر عسكرية أن طائرة من طراز “كازا” نقلت الرئيس إلى مطار سانت ماري، ومنها إلى الخارج بموجب اتفاق طارئ مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
وفي أول ظهور له منذ اختفائه، قال راجولينا البالغ من العمر 51 عامًا في خطاب مصور عبر فيسبوك إنه “اضطر لإيجاد مكان آمن لحماية حياته بعد محاولة اغتيال”، مؤكدًا أنه “لن يتخلى عن مسؤوليته تجاه الشعب”، وداعيًا إلى “احترام الدستور” ورفض “الانقلابات المقنعة”.
غير أن خطابه لم يهدئ الشارع، إذ ردّت عليه لجنة تنسيق حركة جيل زد ببيان مقتضب جاء فيه: “لقد انتهى عهد الفساد.. والشباب لن يعودوا إلى منازلهم حتى يروا نظامًا جديدًا أكثر شفافية”.
احتجاجات تتحول إلى ثورة جيلية
لم تكن احتجاجات جيل زد مجرد أزمة سياسية عابرة، بل مثلت تعبيرًا عن تحولات اجتماعية عميقة تشهدها مدغشقر، حيث يشكل الشباب أكثر من 60% من السكان، بينما يعيش أكثر من 75% من المواطنين تحت خط الفقر.
هذا الجيل، الذي نشأ في ظل الإنترنت والاتصال العالمي، يرى في الأنظمة القديمة عقبة أمام طموحاته في التعليم والتوظيف والمشاركة السياسية. ووفق تقارير محلية، قاد ناشطو وسائل التواصل الاجتماعي حملة منظمة تحت وسم “#MadagascarZ” لتنسيق المظاهرات، ونشر معلومات عن مواقع التجمع، وتوثيق حالات القمع.
تقول الباحثة في شؤون أفريقيا ساندرا رافيل في تصريح لقناة “فرانس 24” إن “جيل زد في مدغشقر أعاد تعريف السياسة في البلاد”، مضيفة: “لم يعد النظام قادرًا على تجاهل جيل يفكر بلغته الخاصة، ويستخدم أدوات رقمية تفوق قدرة الدولة على الرقابة”.
في المقابل، لم تغب التوترات الأمنية عن المشهد، إذ سجلت الأمم المتحدة مقتل 22 شخصًا في الأيام الأولى من الاحتجاجات، بعضهم برصاص قوات الأمن، وآخرون في أعمال نهب أعقبت الفوضى في العاصمة. ومع ذلك، أكد قادة الحركة أن الاحتجاجات سلمية وأن أي أعمال عنف هي “محاولات لتشويه الحراك الشعبي”.
مدغشقر أمام مفترق طرق
تعيش مدغشقر اليوم لحظة تاريخية غير مسبوقة، إذ تتجه الأنظار إلى إمكانية تشكيل “مجلس مؤقت” لإدارة شؤون البلاد ريثما تُجرى انتخابات جديدة. المعارضة دعت إلى حكومة انتقالية تمثل القوى الشبابية والمجتمع المدني، فيما دعت الأمم المتحدة إلى “انتقال سلمي ومنضبط للسلطة يحفظ مؤسسات الدولة ويمنع الانزلاق نحو الفوضى”.
ويرى مراقبون أن ما حدث في مدغشقر ليس مجرد أزمة داخلية، بل مؤشر على “جيل أفريقي جديد” يرفض الوصاية السياسية والاقتصادية، ويستخدم التكنولوجيا لتحدي الأنظمة التقليدية.
ويقول الصحفي المالديفي جوزيف ألين إن “جيل زد في مدغشقر فتح الباب أمام موجة تغيير شبابية قد تمتد إلى دول أفريقية أخرى، بعدما أثبت أن شبانًا بلا سلاح يمكنهم إسقاط رئيس عبر هواتفهم الذكية وتنظيمهم الرقمي”.
وبينما لا يزال الرئيس راجولينا متواريًا في مكان غير معلوم، تبقى مدغشقر أمام معادلة حساسة: هل تنجح حركة الشباب في تأسيس نظام جديد أكثر ديمقراطية، أم تعود البلاد إلى دوامة الانقلابات العسكرية التي عرفتها منذ الاستقلال؟
ما هو مؤكد أن “جيل زد” كتب صفحة جديدة في تاريخ البلاد، وأرسل رسالة أبعد من حدود المحيط الهندي: أن زمن الشعوب الصامتة قد انتهى، وأن شبان اليوم — ولو من أفقر جزيرة في العالم — قادرون على إسقاط الحاكم الذي لم يسمع صراخهم.
اقرأ أيضًا : غزة بعد الاتفاق مباشرة.. بدء عملية تبادل الأسرى في أول فصول ما بعد الحرب