في الساعات الأولى من صباح الاثنين، بدأ فصل جديد في تاريخ غزة، بعدما أُعلن رسميًا عن انطلاق عملية تبادل الأسرى بين فصائل المقاومة الفلسطينية وجيش الاحتلال الإسرائيلي، إيذانًا بمرحلة ما بعد حرب الإبادة التي استمرت لأكثر من 735 يومًا.

وبينما تنفست غزة الصعداء لأول مرة منذ عامين، رصدت العيون بترقب مشاهد خروج الأسرى الإسرائيليين من قبضة المقاومة، وسط مشاعر مختلطة من الفخر والانتصار والألم.

انطلاقة صفقة “طوفان الأقصى”

أعلنت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، عن نشر أسماء عشرين أسيرًا إسرائيليًا قررت الإفراج عنهم ضمن المرحلة الأولى من “صفقة طوفان الأقصى لتبادل الأسرى”، التي تعد أول ثمرة ملموسة لاتفاق وقف إطلاق النار.

وجاء الإعلان في بيان رسمي نُشر مساء الأحد، تضمن تفاصيل دقيقة حول هوية الأسرى، وظروف تسليمهم إلى الصليب الأحمر تمهيدًا لإعادتهم إلى الجانب الإسرائيلي.

وأكدت القسام في بيانها أن العملية تأتي “وفاءً لتضحيات الشعب الفلسطيني وصمود المقاومة في مواجهة آلة العدوان”، مشددة على أن الصفقة “تمثل انتصارًا سياسيًا وإنسانيًا يثبت فشل الاحتلال في تحقيق أهدافه”. وفي المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي تسلّمه سبعة من الأسرى عبر طواقم الصليب الأحمر، فيما يُتوقع تسليم الدفعة الثانية المكوّنة من 13 أسيرًا في العاشرة صباحًا.

صدى إنساني واسع وتفاصيل التنفيذ

عملية التسليم التي جرت وسط مراقبة مشددة من الصليب الأحمر والأمم المتحدة شهدت أجواء إنسانية مؤثرة، إذ بدت علامات الانهاك واضحة على بعض الأسرى الإسرائيليين بعد احتجاز دام أكثر من عامين في غزة. ووفق مصادر ميدانية، نُقلت الدفعة الأولى من الأسرى عبر معبر رفح، بعد تنسيق أمني ولوجستي مع مصر التي لعبت دورًا محوريًا في الوساطة بين الطرفين.

في المقابل، تستعد مصلحة السجون الإسرائيلية لإطلاق سراح نحو ألفي معتقل فلسطيني في مراحل متتالية تبدأ هذا الأسبوع، تنفيذًا لبنود المرحلة الأولى من الاتفاق، ما أشعل موجة فرح عارمة في الشارع الفلسطيني، خصوصًا في الضفة الغربية وغزة حيث تنتظر عائلات الأسرى لحظة اللقاء المنتظرة.

وفي مشهد رمزي يعكس صلابة المجتمع الفلسطيني، خرجت مظاهرات احتفالية في مخيمات غزة، رفعت فيها صور الأسرى الفلسطينيين الذين ينتظرون حريتهم، بينما رُفعت أعلام الفصائل المقاومة في مشهد يؤكد وحدة الموقف رغم الجراح.

أمن غزة يضبط الداخل ويطوي صفحة الفوضى

بالتوازي مع عملية التبادل، أعلنت وزارة الداخلية في غزة عن إحكام سيطرتها الأمنية الكاملة على مناطق القطاع كافة، مؤكدة نجاحها في تفكيك خلية مسلحة كانت تعمل لصالح الاحتلال وتورطت في جرائم ضد النازحين. وأوضح المتحدث باسم الداخلية أن الخلية كانت “تسعى إلى نشر الفوضى والتشويش على أجواء ما بعد وقف إطلاق النار”، مشيرًا إلى أن الأجهزة الأمنية “تتعامل بحزم لضمان أمن المواطنين واستقرارهم بعد عامين من الحرب والفوضى”.

ويُعد هذا الإعلان مؤشراً على بداية مرحلة جديدة داخل غزة، حيث تسعى السلطات المحلية إلى إعادة النظام العام وتثبيت الأمن الاجتماعي، في ظل انهيار كبير في البنية التحتية والاقتصاد، ومعاناة مئات الآلاف من النازحين الذين ينتظرون العودة إلى منازلهم المدمرة.

غزة بين نشوة الانتصار وتحديات ما بعد الحرب

ورغم مشاهد الفرح التي غمرت الشارع الفلسطيني، إلا أن التحديات المقبلة تبدو ضخمة. فغزة الخارجة من تحت الركام تواجه واقعًا صعبًا من الدمار والتهجير، حيث تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 70% من القطاع أصبح غير صالح للسكن. وبينما تبدأ عمليات تبادل الأسرى كخطوة إنسانية وسياسية مهمة، تبقى ملفات إعادة الإعمار، ورفع الحصار، وضمان الالتزام بالاتفاق، بمثابة اختبارات حقيقية للمرحلة المقبلة.

كما يرى محللون أن صفقة التبادل تحمل رسائل أبعد من بعدها الإنساني، إذ تثبت قدرة الفصائل الفلسطينية على فرض شروطها رغم الكلفة البشرية الهائلة، في حين يجد الاحتلال نفسه أمام واقع جديد عنوانه “ردع المقاومة دون كسرها”.

دلالات سياسية وأفق جديد

يصف مراقبون المشهد الحالي بأنه لحظة تحوّل كبرى في مسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إذ تُعد هذه الصفقة أول اتفاق ميداني ناجح منذ اتفاقات أوسلو، تحقق فيه المقاومة إنجازًا فعليًا على الأرض. كما تعكس الصفقة فشل استراتيجية “القبضة الحديدية” التي انتهجها الاحتلال، وتفتح الباب أمام تحولات سياسية في الإقليم، خاصة مع تزايد الضغوط الدولية لإعادة إعمار غزة وإنهاء الحصار.

في النهاية، تبدو غزة وهي تطوي صفحة الحرب وتبدأ أخرى عنوانها “الحرية”، ماضية بخطى بطيئة ولكن واثقة نحو التعافي. وبينما يلتقي الأسرى بأسرهم وتعود بعض مظاهر الحياة إلى شوارع القطاع، تبقى الحقيقة الأعمق أن ما جرى لم يكن مجرد تبادل للأسرى، بل إعلانًا رمزيًا لانتصار إرادة البقاء الفلسطينية على آلة الإبادة، وبدء فصل جديد من حكاية لا تنتهي عنوانها الدائم: غزة تقاوم.. ثم تنتصر.

اقرأ أيضًا : غزة.. انهيار المليشيا المدعومة إسرائيليًا وتخلي تل أبيب عن وكلائها