في واقعة جديدة تؤكد استمرار تضييق الخناق على حرية التعبير في مصر، أعلنت منظمات حقوقية أن السلطات المصرية ألقت القبض على الباحث والروائي القبطي هاني صبحي، بعد ساعات من نشره تدوينة ساخرة انتقد فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي.

لم تمر ساعات على التدوينة حتى اقتحمت قوة أمنية منزله في حي المرج الشعبي، من دون إذن قضائي، واقتادته إلى جهة مجهولة. وبعد يومين من الإخفاء القسري، ظهر صبحي أمام نيابة أمن الدولة العليا في القاهرة، التي قررت حبسه 15 يومًا على ذمة التحقيق في القضية رقم 7143 لسنة 2025.

التهم الموجهة إليه جاءت صادمة ومكررة في آن واحد:

  1. الانضمام إلى جماعة إرهابية (الإخوان المسلمين)،

  2. نشر أخبار كاذبة.

تُهم أصبحت بمثابة القالب الجاهز لكل من يجرؤ على انتقاد السلطة أو التعبير عن رأي مخالف.

مفارقة مريرة: باحث قبطي متهم بالانضمام إلى الإخوان

اللافت في القضية هو المفارقة الصارخة بين هوية صبحي الفكرية والدينية وبين التهمة الموجهة إليه، إذ يُعد من الكتّاب الأقباط المعروفين في الأوساط الأدبية، واهتماماته الفكرية تدور حول قضايا الهوية والذاكرة والإنسان، لا حول السياسة أو التنظيمات.

هذه المفارقة تكشف إلى أي مدى باتت تهمة “الانضمام إلى جماعة إرهابية” أداة مطاطة تُستخدم لإسكات أي صوت ناقد، بغض النظر عن خلفيته أو انتمائه.

فالنظام لم يعد يميز بين معارض إسلامي أو ليبرالي أو مسيحي؛ الجميع سواسية أمام الاتهام الجاهز بالإرهاب.

خلفية ثقافية وإنسانية

هاني صبحي ليس ناشطًا سياسيًا بالمعنى التقليدي، بل هو كاتب وباحث شاب صدرت له أعمال أدبية نالت استحسان النقاد.

مجموعته القصصية الأخيرة “روح الروح” تناولت في بعض نصوصها الحرب الإسرائيلية على غزة، وقدّمت قراءة إنسانية للصراع بعيدًا عن الخطابات السياسية، بينما تناولت روايته الأولى “على قهوة في شبرا” الحياة الاجتماعية في أحد أحياء القاهرة ذات التنوع الثقافي الفريد.

هذه الخلفية الأدبية جعلت اعتقاله رسالة تخويف للمبدعين والكتّاب الذين يستخدمون الأدب أو الرأي لتصوير الواقع أو نقده.

سياسة ممنهجة لإسكات الأصوات

اعتقال صبحي ليس حدثًا استثنائيًا، بل يندرج ضمن نمط متكرر من الملاحقات الأمنية التي طالت مئات الكتاب والمدونين والباحثين خلال الأعوام الأخيرة.

من إسراء عبد الفتاح إلى علاء عبد الفتاح مرورًا بعشرات الصحفيين، تتشابه التهم وتختلف الأسماء، بينما تبقى الاستراتيجية واحدة:

  • تجريم الرأي،

  • عسكرة المجال العام،

  • وتحويل أدوات العدالة إلى وسائل للردع السياسي.

ويرى مراقبون أن هذا النهج يعكس هشاشة النظام في مواجهة النقد، فبدلاً من الرد بالحجة، يتم اللجوء إلى القبضة الأمنية والاتهامات الجاهزة التي لا تتطلب دليلاً.

موقف المنظمات الحقوقية الدولية

الأمم المتحدة عبر مفوضية حقوق الإنسان أعربت مرارًا عن قلقها من استمرار استخدام تهم الإرهاب كسلاح لمعاقبة المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والمحامين في مصر.

وفي بياناتها الأخيرة، أكدت المفوضية أن الإفراجات المحدودة لبعض النشطاء لا تغيّر من واقع الاحتجاز التعسفي الواسع، مشيرة إلى أن ما يجري هو انتهاك ممنهج للحقوق الأساسية ولحريات الرأي والتعبير.

المنظمات الدولية ترى في هذه الممارسات إخلالًا جوهريًا بالتزامات مصر الدولية، خاصة اتفاقيات العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية التي تكفل حرية الرأي وحق الفرد في التعبير دون خوف من العقاب.

دلالات سياسية أعمق

اعتقال كاتب قبطي على خلفية رأي سياسي يسلّط الضوء على تحوّل خطير في طبيعة القمع، إذ لم يعد مرتبطًا فقط بالتيارات الإسلامية أو المعارضين التقليديين، بل أصبح يشمل كل فئات المجتمع المصري.

وهذا يعكس اتساع دائرة الخوف الرسمي من النقد حتى في صورته الأدبية أو الساخرة، ما يُظهر أن النظام يعيش أزمة شرعية داخلية تزداد معها حساسية السلطة تجاه أي صوت مختلف.

كما أن توجيه التهمة ذاتها (الانضمام إلى الإخوان) لباحث قبطي، يُفقد مصداقية الجهاز القضائي والأمني على السواء، ويُبرز غياب المنطق القانوني والموضوعية في عمل النيابة العامة.

العدالة الغائبة والمجتمع الصامت

في ظل غياب مؤسسات مستقلة قادرة على مراقبة الانتهاكات، يتحول الاحتجاز إلى عقوبة بحد ذاته، ويُترك المتهمون شهورًا أو سنوات في السجون دون محاكمة عادلة.

هذا الواقع يخلق مناخًا من الخوف الجماعي في الوسط الثقافي والإعلامي، حيث يختار كثير من الكتّاب والمفكرين الصمت أو الهجرة، لتجنب المصير ذاته.

أما المجتمع المدني، فقد أصبح محاصرًا بالرقابة والملاحقات، ما أدى إلى تآكل مساحات الحوار والنقد البنّاء في الحياة العامة المصرية.

الخلاصة: تكميم الأفواه باسم “مكافحة الإرهاب”

قضية هاني صبحي ليست مجرد حادثة فردية، بل نموذج مصغّر للواقع المصري الحالي الذي تختلط فيه السياسة بالأمن، والعدالة بالقمع، والقانون بالتأويل.

في بلد تُوجَّه فيه تهمة الإرهاب إلى روائي شاب بسبب تدوينة، لا يبقى للعدالة سوى شكلها، ولا للكلمة سوى ثمنها.

ويبقى السؤال:

إلى متى ستظل تهمة الإرهاب غطاءً لإسكات المثقفين، ومتى يدرك النظام أن حرية الكلمة هي ضمانة الاستقرار الحقيقي، لا تهديده؟

اقرأ أيضا:  رغم تجاهل الاحتلال للوساطة المصرية.. رئيس المخابرات يلتقي نتنياهو في إسرائيل