في خطوة أثارت تساؤلات واسعة، التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الثلاثاء، رئيس جهاز المخابرات المصرية اللواء حسن رشاد، في زيارة غير معلنة مسبقاً إلى تل أبيب، وفق بيان صادر عن مكتب نتنياهو.
وذكر البيان أن الجانبين بحثا “سبل دفع خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسلام قُدماً”، وتعزيز العلاقات الثنائية بين مصر وإسرائيل، إلى جانب مناقشة قضايا إقليمية أخرى. وتأتي هذه الزيارة في وقت تشهد فيه العلاقات المصرية الإسرائيلية تصعيداً ميدانياً متكرراً في غزة، رغم وساطة القاهرة في اتفاق وقف إطلاق النار، ما يجعل اللقاء محط انتقادات حادة من أطراف سياسية وشعبية تتهم النظام المصري بتطبيع غير مشروط مع الاحتلال.

وساطة مصرية بلا وزن سياسي
منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة، حاولت القاهرة لعب دور الوسيط المحوري بين حماس وإسرائيل، مستندة إلى ثقلها الإقليمي وصلاتها الوثيقة بالأطراف كافة، إلا أن الاحتلال الإسرائيلي واصل خرق الاتفاقات الموقعة، متجاهلاً الضمانات المصرية. فخلال الأسابيع الماضية، وثّقت منظمات إنسانية عشرات الخروقات للهدنة عبر استهداف مناطق مدنية في القطاع، في وقت التزمت فيه المقاومة الفلسطينية ببنود وقف النار. هذا التجاهل الإسرائيلي المتكرر جعل من الوساطة المصرية مجرد “ورقة شكلية” في نظر المراقبين، إذ لم يعبأ نتنياهو ولا وزراؤه بالتحذيرات المصرية، بل مضوا في سياساتهم الميدانية دون اعتبار للقاهرة كطرف ضامن أو وسيط مؤثر.
وتشير تقارير دبلوماسية إلى أن الاستخبارات المصرية قدمت لإسرائيل خلال الشهور الماضية مقترحات أمنية تتعلق بترتيبات ما بعد الحرب، خاصة في ما يتعلق بإدارة المعابر وإعادة الإعمار، لكن تل أبيب تجاهلتها تماماً. بل إن بعض التسريبات الإسرائيلية ألمحت إلى امتعاض نتنياهو من “الضغوط المصرية المتزايدة” لوقف إطلاق النار، معتبرًا أن القاهرة تمارس “دوراً أكبر من حجمها”، وفق وصف أحد وزرائه في الكابينت الأمني.
تطبيع السيسي مع الاحتلال.. من الزيارات إلى صفقات الغاز
تأتي زيارة رئيس المخابرات إلى إسرائيل ضمن سلسلة من اللقاءات والاتصالات التي تعكس متانة العلاقات بين نظام عبد الفتاح السيسي وحكومة الاحتلال. فمنذ عام 2016، شهدت العلاقات المصرية الإسرائيلية تطوراً غير مسبوق، شمل زيارات متبادلة رفيعة المستوى، وتوقيع اتفاقيات اقتصادية وأمنية، أبرزها صفقة الغاز الضخمة التي بموجبها تستورد القاهرة الغاز الإسرائيلي وتعيد تصديره إلى أوروبا على أنه “غاز مصري”، في واحدة من أكثر الصفقات إثارة للجدل في تاريخ العلاقات بين الجانبين.
ويرى محللون أن نظام السيسي قد تجاوز حدود التطبيع الدبلوماسي نحو شراكة استراتيجية كاملة مع الاحتلال، سواء عبر التعاون الأمني في سيناء، أو عبر التنسيق المستمر بشأن الأوضاع في غزة، أو عبر الاتفاقات الاقتصادية التي تصبّ في مصلحة تل أبيب على حساب الشعب المصري. فبينما يعاني المواطن المصري من أزمة اقتصادية خانقة وارتفاع غير مسبوق في أسعار الطاقة، تدرّ صفقات الغاز المشبوهة أرباحاً على شركات إسرائيلية، أبرزها شركة “ديليك” التي تسيطر على حصة كبيرة من حقل “ليفياثان” البحري.
إغلاق معبر رفح.. ضغط على الفلسطينيين واسترضاء لتل أبيب
في الوقت الذي يجتمع فيه كبار المسؤولين المصريين مع قادة الاحتلال، تواصل القاهرة إغلاق معبر رفح أمام سكان قطاع غزة، مما يفاقم معاناتهم الإنسانية. ويقول ناشطون حقوقيون إن سياسة إغلاق المعبر تمثل أداة ضغط مزدوجة، فهي من جهة تُستخدم كورقة تفاوضية مع الفصائل الفلسطينية، ومن جهة أخرى تُرضي الاحتلال الإسرائيلي الذي طالما طالب بتشديد الحصار على القطاع. وتُظهر تقارير ميدانية أن مئات المرضى والطلاب ما زالوا عالقين على الجانب الفلسطيني من المعبر بانتظار فتحه، بينما تبرر السلطات المصرية إغلاقه بـ”الظروف الأمنية” أو “الترتيبات الفنية”.
ويؤكد مراقبون أن استمرار هذا النهج يضعف الموقف المصري أمام الرأي العام العربي والدولي، إذ يُنظر إلى القاهرة باعتبارها “شريكاً في الحصار” لا وسيطاً نزيهاً، خاصة بعد تسريب وثائق تُظهر أن التنسيق الأمني بين الجانبين بلغ مستويات غير مسبوقة، تشمل تبادل المعلومات حول حركة الأشخاص والبضائع بين غزة وسيناء.
لقاءات بلا جدوى ومكانة مصر تتراجع
رغم محاولات النظام المصري إظهار نفسه كوسيط أساسي في ملفات المنطقة، فإن الوقائع تشير إلى تراجع نفوذ القاهرة الإقليمي أمام صعود أدوار قطر وتركيا والولايات المتحدة. فبينما تحقق الدوحة وأنقرة اختراقات دبلوماسية ملموسة في مسار التهدئة والمساعدات الإنسانية، تكتفي مصر بعقد لقاءات شكلية مع مسؤولين إسرائيليين لا تفضي إلى نتائج عملية. لقاء نتنياهو الأخير مع رئيس المخابرات المصرية ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة لقاءات لم تغيّر شيئاً من واقع الاحتلال أو الحصار أو العدوان، بل تمنحه شرعية إضافية تحت مظلة “السلام”.
ويخلص مراقبون إلى أن نظام السيسي، الذي يرفع شعار “السلام والاستقرار”، وجد نفسه في موقع التابع، بعدما فرّط في أوراق القوة التي كانت تمتلكها القاهرة تاريخياً، وعلى رأسها الملف الفلسطيني. ومع استمرار الاحتلال في خروقاته الميدانية وازدرائه للوساطة المصرية، تبدو زيارة رئيس المخابرات إلى تل أبيب بلا معنى سياسي، سوى تأكيد أن التطبيع بين النظام المصري وإسرائيل بات حقيقة راسخة تتقدم على حساب القيم الوطنية والعربية.
اقرأ أيضًا : تلاعب الاحتلال في الهدنة: إسرائيل تواصل خروقاتها في غزة