أثار حذف مشيخة الأزهر الشريف في مصر لبيانها الأخير بشأن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، تفاعلاً واسعًا في الأوساط الإعلامية الإسرائيلية، التي اعتبرت الخطوة “غير مسبوقة”، في ظل تصاعد الانتقادات الموجهة للاحتلال من مؤسسات دينية حول العالم.

ونقلت وسائل إعلام عبرية، من بينها موقع “Srugim” والقناة 12 الإسرائيلية، أن الأزهر أقدم على حذف البيان استجابةً لطلب رسمي، دون أن توضح الجهة المرسلة، مرجّحة أن يكون ذلك مرتبطًا بـ”حساسية الموقف الدبلوماسي” الذي تتبناه القاهرة تجاه تطورات الملف الفلسطيني، وحرصًا على استمرار الدور المصري في الوساطة.

ووصفت صحيفة “يسرائيل هايوم” البيان المحذوف بأنه “أثار عاصفة”، مشيرة إلى أن الصيغة شديدة اللهجة التي تبناها الأزهر تجاه إسرائيل دفعت السلطات المصرية إلى التدخل، وسحب البيان بشكل عاجل “دون توضيح الأسباب” في البداية.

الأزهر يوضح: سحب البيان “بدافع المسؤولية”

عقب الجدل، نشر الأزهر بيانًا توضيحيًا أوضح فيه أن قرار سحب البيان “انطلق من المسؤولية الدينية، وحرصًا على مصلحة حقن الدماء”، مشيرًا إلى أن الموقف يأتي في سياق دعم المفاوضات الجارية وتجنب أي خطاب قد يؤثر على فرص التوصل إلى اتفاق إنساني لوقف إطلاق النار وإدخال المساعدات.

مصادر: السيسي ضغط على الإمام الأكبر

وفي تقرير استقصائي نشره موقع “Middle East Eye” البريطاني، قال مصدران مطلعان من داخل الأزهر ومقربان من الرئاسة المصرية، إن بيان الأزهر الذي استخدم تعبير “إبادة جماعية كاملة الأركان” بحق ما يتعرض له الفلسطينيون في غزة، أغضب دوائر صنع القرار، خاصة أنه أشار إلى “تواطؤ دول ثالثة” في ما وصفه بـ”تجويع السكان المدنيين”.

وأكد المصدران أن مكتب الرئيس عبد الفتاح السيسي تدخل بشكل مباشر وطلب حذف البيان فور نشره، تفاديًا لأي تأثير محتمل على مفاوضات وقف إطلاق النار الجارية، والتي تلعب فيها القاهرة دور الوسيط الرئيسي بين الاحتلال الإسرائيلي وحركة حماس.

حساسية الدور المصري وتناقض الرسائل

تسعى مصر منذ بداية الحرب في 7 أكتوبر 2023 إلى لعب دور محوري في الوساطة، وهو ما يجعل مؤسسات الدولة، بما فيها الأزهر، تتحرك ضمن هامش دقيق من التعبير، وسط محاولة القاهرة الحفاظ على موقعها الدبلوماسي دون إثارة غضب أي من الأطراف الدولية.

إلا أن حذف بيان الأزهر، صاحب المكانة الروحية الكبرى في العالم الإسلامي، أثار انتقادات حادة من ناشطين وحقوقيين اتهموا الدولة المصرية بـ”تكميم” أحد آخر الأصوات الدينية المستقلة في مواجهة جرائم الحرب بغزة.

سياق الأزمة: تجويع متواصل ومجاعة تلوح بالأفق

جاء الجدل حول بيان الأزهر في وقت يعاني فيه سكان غزة البالغ عددهم 2.1 مليون نسمة من حصار شامل فرضه الاحتلال منذ 2 مارس الماضي، تسبب في شلل شبه تام للمساعدات الإنسانية. وقد أكدت منظمات دولية، بينها الأمم المتحدة، أن القطاع بات فعليًا على حافة المجاعة الجماعية.

وتزامن ذلك مع تقارير موثقة حول استشهاد عشرات المدنيين نتيجة الجوع، بينهم أطفال ونساء، وسط تجاهل إسرائيل لأوامر محكمة العدل الدولية بوقف الإبادة وفتح المعابر.

يمثل حذف بيان الأزهر تطورًا مهمًا في العلاقة بين الدين والدولة في مصر، ويكشف حجم الضغوط السياسية التي تُمارس على المؤسسات الدينية لتجنّب التصادم مع السياسات الرسمية، خاصة حين يتعلق الأمر بـملف فلسطين. كما يعكس الموقف حالة الارتباك في الخطاب المصري الرسمي بين الرغبة في الظهور كوسيط محايد، والضغط الشعبي المتصاعد للمطالبة بمواقف أكثر صرامة تجاه الاحتلال.

اقرأ أيضا: “زجاجة أمل لغزة”.. مبادرة شعبية تكسر جدار الصمت المصري والعربي