في زمن المجاعة، تتحول أبسط المبادرات إلى رموز عظيمة. وفي الوقت الذي تغلق فيه الأنظمة أبوابها بوجه غزة، يفتح البحر نافذة أمل لا تتطلب تأشيرة، ولا تمر عبر رقابة الاحتلال. فقد أطلق ناشطون عرب، في مقدمتهم أكاديميون مصريون، مبادرة رمزية تحت اسم “من البحر إلى البحر.. زجاجة أمل لغزة”، تقوم على إرسال عبوات بلاستيكية معبأة بالأرز والعدس، عبر البحر المتوسط من شواطئ مصر وسائر دول المغرب العربي، على أمل أن تصل إلى شواطئ غزة المحاصرة، بعد أن ضاقت السبل بكل طريق بري أو جوي أو حتى سياسي.
الفكرة التي بدأت كرسالة معنوية، تحولت سريعاً إلى موجة تضامن إلكتروني، تعكس مدى الانفصام بين صوت الشعوب وإرادة الأنظمة، وتُجسد انهيار الثقة الشعبية في المجتمع الدولي والمنظومة الإنسانية، بعدما أصبح الموت جوعاً خبز الغزيين اليومي.

علم يتحدى الحصار.. وزجاجة تهزم العجز العربي
ليست المبادرة ارتجالية كما يظن البعض، بل تستند إلى دراسة علمية دقيقة وضعها الدكتور محمد سيد علي حسن، المهندس المصري المقيم في اليابان، الذي وضع خرائط ومسارات تستغل التيارات البحرية المتجهة من الغرب إلى الشرق في شرق المتوسط.
بحسب حسن، فإن التيار السطحي البحري يسير بسرعة 0.8 كلم/ساعة، ما يعني أن الزجاجات المحكمة الإغلاق، إذا أُلقيت من شواطئ دمياط أو شرق بورسعيد، يمكن أن تصل إلى شواطئ غزة خلال 3 إلى 4 أيام. ومن خلال تعبئة عبوات سعة 25 لترا، مع ترك 8 لترات من الهواء للطفو، تصبح الزجاجة وسيلة رمزية محمّلة بـ8 كيلوغرامات من الأمل والطعام.
هذا التحليل العلمي أضاف للمبادرة زخماً جديداً، إذ لم تعد مجرد لفتة إنسانية رمزية، بل باتت محاولة شعبية منظمة، تستفز ضمير العالم، وتذكّر بأن الشعوب تملك أدوات ضغط حين تتخلى الأنظمة عن مسؤولياتها الأخلاقية.
رسائل في زجاجات.. وشعب يحاكم السيسي
اللافت في هذه المبادرة أنها انطلقت من مصر، الدولة التي يفترض أن تكون الرافعة الرئيسية في تخفيف الكارثة الإنسانية عن غزة، نظرًا للجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك. لكنها – للأسف – باتت في ظل حكم عبد الفتاح السيسي شريكاً معلنًا في الحصار، عبر إغلاق معبر رفح لشهور متتالية، وتضييق الخناق على قوافل الإغاثة، وحتى قمع المتضامنين في الميدان.
مبادرة “زجاجة أمل” جاءت لتوجه أصابع الاتهام مباشرة للنظام المصري، ولتقول بوضوح: إذا كانت المعابر مغلقة بقرارات سياسية، فسنفتح البحر برسائل شعبية، حتى لا يقال إن مصر صمتت، أو إن المصريين خذلوا غزة.
هذه الزجاجات ليست فقط أرزًا وعدسًا، بل تحمل رسائل ضمنية تقول: نحن ضد خيانة السيسي، وضد تورط النظام المصري في حصار شعب أعزل. فالموت جوعًا لم يعد حدثًا طارئًا في غزة، بل سياسة إسرائيلية ممنهجة، يشارك فيها النظام المصري عبر الصمت والتواطؤ، بل والإغلاق المتعمد لمعبر رفح، الذي بقي مغلقًا حتى في ذروة المجاعة.
رمزية الصرخة.. وتحوّل الغضب الشعبي إلى أفعال
تعاطف آلاف النشطاء مع الحملة، وبدأوا فعليًا في تصوير لحظات قذف الزجاجات إلى البحر من شواطئ الإسكندرية ومطروح. البعض اعتبرها صرخة رمزية في وجه عجز الحكومات، والبعض الآخر دعا إلى تحويل هذا التعاطف إلى ضغط شعبي فاعل على الحكومات العربية والدولية، لكسر الحصار وفتح المعابر بشكل دائم وليس انتقائي.
عدد من المتضامنين شددوا على أن الفكرة لا تغني عن الدعم الحقيقي، لكنها تعري النظام الدولي وتفضح ازدواجية معاييره. فمن غير المعقول أن يُترك أكثر من مليوني إنسان في سجن مفتوح، بدون طعام أو دواء، في ظل عجز أممي شامل، وتواطؤ عربي رسمي، وعلى رأسه القاهرة.
غزة تموت.. والزجاجة شهادة إدانة
وفق بيانات وزارة الصحة في غزة، فإن أكثر من 100 فلسطيني – معظمهم من الأطفال – لقوا حتفهم خلال الأشهر الأخيرة جراء الجوع وسوء التغذية، في حين لا تزال الشاحنات المحمّلة بالمساعدات تنتظر لساعات وأيام عند معبر رفح، دون أن يُسمح لها بالعبور إلا بشروط مهينة أو تنسيق مع الاحتلال الإسرائيلي.
وبينما تتجه الأضواء إلى الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة، فإن اليد الممدودة من الشعوب، وإن كانت محمّلة بزجاجة فقط، تبدو أصدق وأنقى من وعود المؤسسات الكبرى. فالمبادرة كشفت حجم التواطؤ، ومثّلت ثورة صامتة ضد سياسات الصمت، وتواطؤ الأنظمة، وعبث المجتمع الدولي.
ختامًا.. البحر يتكلم
في عالم فقد إنسانيته، وتبلّدت فيه مشاعر الحكام، يبقى البحر النافذة الوحيدة التي لم تُغلق في وجه غزة. قد لا تصل كل الزجاجات، وقد تعود بها الأمواج، لكنها تحمل رسالة أقوى من أي خطاب رسمي: غزة ليست وحدها، وأن الشعوب حين تُخذل، تبتكر أدواتها، حتى لو كانت زجاجة في عرض البحر.
هذه المبادرة الشعبية، مهما بدت بسيطة، تشكّل فضيحة أخلاقية لكل من يملك المعابر ويغلقها، ولكل من يتحكم في الغذاء ويمنعه، ولكل من يراهن على موت غزة بصمت.
اقرأ أيضًا : بين نيران الاحتلال وخيانة عباس.. الضفة تحترق وأمن السلطة يلاحق المقاومين