في مشهد يتكرر كل عام لكنّه يزداد قسوة في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية، يتكدس آلاف الفقراء في مصر أمام الجمعيات الخيرية، باحثين عن “كرتونة رمضان” وقطعة بطاطين أو بضع جنيهات تسد رمقهم في شهر الصيام. 

المفارقة المؤلمة، أن هذا يحدث في الوقت ذاته الذي تحتفل فيه الحكومة المصرية – على لسان وزيرة التضامن الاجتماعي – بـ”خروج 3 ملايين أسرة من برنامج تكافل وكرامة بسبب تحسّن أوضاعهم المعيشية”. 

لكن الواقع في الشارع المصري يكذب هذه المزاعم، ويكشف أن نظام السيسي لا ينتهج فقط سياسة التقشف، بل سياسة الإفقار المتعمد والتجويع الممنهج للشعب، بالتزامن مع مزيد من الرضوخ لشروط صندوق النقد الدولي ورفع الدعم عن الفقراء.

فقيرات في طوابير الذل

مشاهد مأساوية نقلتها صحف محلية لعشرات النساء المسنات وذوات الملابس السوداء وقد اصطفتن أمام جمعية خيرية يديرها رجل أعمال يسعى للترشح للبرلمان.

هؤلاء النسوة لم يأتين للتقديم على عمل ولا يحملن شهادات، بل جئن يبحثن عن غذاء أو بطانية تقيهن برد الليالي، إحداهن – امرأة سبعينية – تقيم في حجرة بدون سقف أو بلاط وتعاني من أمراض مزمنة، بينما الأخرى تعيش في زريبة بجوار منزل أبنائها، وسط جاموستها، بعد أن رفض أبناؤها توفير مأوى آدمي لها.

لم تكن تلك الحالات استثنائية، بل هي نموذج لما آلت إليه أوضاع الملايين من المصريين الذين استُبعدوا من برامج الحماية الاجتماعية، وباتوا عرضة للتشرد والجوع، في ظل تجاهل تام من النظام، وافتقار لأي رؤية إنسانية أو اقتصادية تنقذ البلاد من دوامة الفقر.

السيسي يقود خطة الإفقار: حذف الملايين بحجة “تحسن الأحوال”

رغم أن الحكومة تزعم أن خروج 3 ملايين أسرة من “تكافل وكرامة” يعود لتحسن أوضاعهم، فإن تقارير الواقع تكشف زيف هذه الادعاءات. 

فبحسب بيانات مركز “بصيرة”، فإن استهلاك اللحوم في مصر انخفض إلى النصف منذ 2018، فيما قلل أكثر من 93% من المصريين استهلاكهم للحوم والطيور، وهي مؤشرات على اتساع رقعة الفقر لا تراجعها.

في المقابل، تتباهى الحكومة بزيادة الدعم النقدي الشهري من بضع مئات الجنيهات إلى ما لا يتجاوز 1000 جنيه (ما يعادل 20 دولارًا فقط)، وهي مبالغ لا تكفي أسرة واحدة لأكثر من أيام، في ظل أسعار طاحنة، وارتفاع فواتير الكهرباء، وأسعار السلع، وسحب تدريجي للدعم عن الوقود، تمهيدًا لرفعه بالكامل بنهاية العام وفق تصريحات مسؤولين حكوميين.

تصريحات وزيرة التضامن مايا مرسي – خلال احتفال رسمي بحضور السيسي – تكشف أن الدولة تتعامل مع الفقر كرقم في بيان صحفي، لا كأزمة إنسانية تستوجب الإنقاذ. 

فهي تقول إن من خرجوا من البرنامج “تحسنت أوضاعهم”، بينما الواقع أن الكثير من الفقراء أُجبروا على التوقف عن تقديم طلبات المعاشات بسبب البيروقراطية، أو أُسقطوا بسبب تقارير كيدية و”تحريات أهلية” تتضمن وساطات ومحسوبيات كما يؤكد أحد المتضررين.

صندوق النقد يقود.. والسيسي ينفذ

الإفقار ليس خطأ فرديًا بل سياسة دولة، تبدأ من التزامات مصر تجاه صندوق النقد الدولي، الذي طالب مرارًا برفع الدعم كشرط للحصول على قروض جديدة. 

محمد معيط، وزير المالية السابق، صرّح بأن الدولة ملتزمة بإلغاء دعم الوقود نهاية العام، وهي خطوة ستؤدي لرفع أسعار كل شيء من المواصلات إلى السلع الغذائية، مما يعمّق أزمة الفقر.

ورغم كل التحذيرات، تواصل الحكومة تشييد الكباري والطرق الصحراوية، في وقت تنهار فيه الخدمات الأساسية، وتُغلق أبواب الرعاية الاجتماعية أمام الفقراء.

الخبير الاقتصادي عبدالتواب بركات أكد أن برنامج “تكافل وكرامة” أُنشئ بتمويل من البنك الدولي ليغطي على خفض دعم البطاقات التموينية، ورفع أسعار الكهرباء والمياه. 

واليوم، وبعد مرور 10 سنوات، لم يتحسن شيء، بل ساءت الأحوال، وانخفضت قيمة المعونات مع التضخم، فيما تزداد معاناة المصريين الذين يعيش 60% منهم تحت خط الفقر بحسب تقارير البنك الدولي.

أرقام بلا معنى: لعبة الإحصاءات وطمس الواقع

الباحث الاقتصادي حسن بربري كشف أن الحكومة لا تُجري تقييمًا حقيقيًا لبرنامج “تكافل وكرامة”، وأن العدد المعلن من المستفيدين تم تضخيمه بنقل بعض المستفيدين من معاشات أخرى مثل “معاش السادات” إلى البرنامج نفسه، لتبدو الزيادة على الورق فقط. 

كما انخفضت مخصصات المعاشات الاجتماعية من وزارة التضامن بنسبة 51.7%، ما يؤكد أن البرنامج لا يضيف جديدًا للفقراء بل يوزّع نفس الأموال بأسماء مختلفة.

ومع غياب أي تقارير محايدة عن فعالية البرنامج، تغيب الشفافية وتبقى الأرقام وسيلة للحكومة للترويج لإنجازات وهمية، بينما يُترك المواطن المصري لمصيره، دون تأمين صحي حقيقي، أو دعم تعليمي، أو مسكن لائق.

السيسي يقود إذلال الشعب.. والفقر سياسة لا نتيجة

لا يمكن النظر إلى حذف 3 ملايين أسرة من برنامج تكافل وكرامة كقرار إداري معزول، بل كجزء من رؤية اقتصادية تنحاز للأغنياء وتقصي الفقراء.

فبدلًا من خلق فرص عمل، أو إقامة مصانع، أو إصلاح منظومة الأجور، يركز النظام على مشاريع استعراضية، ويضيّق على الفقراء عبر الحذف من برامج الدعم، ورفع الأسعار، وتقييد الجمعيات الخيرية، وإحكام السيطرة على مصادر المساعدة.

الرئيس السيسي، الذي وعد الشعب بالرخاء، يقوده إلى المجاعة، وبدلًا من الكرامة، يزرع الذل، وبدلًا من الحماية الاجتماعية، يمارس عقابًا جماعيًا للفقراء. 

إنها ليست فقط أزمة فقر، بل فضيحة أخلاقية لنظام يُصرّ على إذلال شعبه، ويحرم أبسط حقوقه في الحياة الكريمة، تحت ذريعة “تحسن الأحوال”.

اقرأ أيضًا : مصر في مرمى الابتزاز.. كيف يحاول بن زايد إحياء المخطط الأمريكي لطرد الفلسطينيين من غزة؟