في مشهد رمزي لكنه بالغ الدلالة، أغلق عشرات النشطاء مبنى السفارة المصرية في العاصمة البريطانية لندن، احتجاجًا على مشاركة نظام عبد الفتاح السيسي في حصار قطاع غزة المستمر منذ أكثر من تسعة أشهر. 

المشهد الذي وثقته عدسات الكاميرات، لم يكن مجرد وقفة احتجاجية، بل فعل احتجاجي مباشر يعكس اتساع رقعة الغضب الشعبي في العواصم الغربية ضد أنظمة عربية يُتّهم بعضها بالمشاركة الفعلية في فرض التجويع على الفلسطينيين، وفي مقدمتها النظام المصري الذي يواصل إغلاق معبر رفح بشكل شبه كامل، رغم الكارثة الإنسانية التي تضرب القطاع.

غضب شعبي يتجاوز الشعارات

الاحتجاج الذي نُفذ مساء السبت أمام مبنى السفارة المصرية، شارك فيه المئات من المتضامنين البريطانيين والعرب، حيث رددوا هتافات منددة بسياسات نظام السيسي، الذي قالوا إنه “شريك أساسي في الحرب الإسرائيلية على غزة”، بسبب إغلاقه المتكرر لمعبر رفح، المنفذ البري الوحيد الذي لا تسيطر عليه “إسرائيل” بشكل مباشر.

ووفق ما أظهرته مقاطع الفيديو التي لاقت تفاعلاً واسعًا على مواقع التواصل، أقدم المحتجون على وضع عصا خشبية بين بوابتي السفارة، لمنع فتحها، في إشارة رمزية إلى ما وصفوه بـ”تواطؤ السفارات المصرية في تبرير جرائم النظام”، فيما علقوا كوفية فلسطينية عند المدخل تعبيرًا عن التضامن مع غزة، واستخدموا الشعارات بالإنجليزية والعربية: “افتحوا رفح”، “السيسي شريك في التجويع”، و”مصر تغلق والاحتلال يقصف”.

ولم يكن هذا التحرك معزولًا، بل جاء ضمن سلسلة من التحركات المتزامنة التي استهدفت السفارات المصرية في أوروبا، أبرزها إغلاق الناشط أنس حبيب لمبنى السفارة المصرية في لاهاي قبل أيام، والذي أوصل من خلال قفلٍ حديدي رسالة قوية مفادها أن “الصمت العربي لم يعد مقبولًا في وجه المجازر والمجاعة”.

السيسي في مرمى الاتهام

الناشطون لم يترددوا في تحميل مسؤولية ما يحدث في غزة مباشرة للرئيس عبد الفتاح السيسي، معتبرين أن سياسات نظامه لم تكتفِ بالتواطؤ، بل تجاوزت ذلك إلى المشاركة الفعلية في الحصار.

وفي بيان وُزع خلال الوقفة في لندن، قال المحتجون إن “السيسي لم يغلق فقط بوابة رفح، بل أغلق معها ضميره وإنسانيته، حين اختار الاصطفاف مع القتلة والمجوعين بدلًا من الدفاع عن أهل فلسطين”. وأكد البيان أن “الاحتلال الإسرائيلي ما كان ليستمر في منع دخول الغذاء والدواء لولا وجود أطراف عربية تُسهل ذلك من خلال صمتها أو مشاركتها في التحكم بالمساعدات”.

وأشاروا إلى أن نظام السيسي يتحمل جانبًا من المسؤولية عن موت أكثر من 100 طفل حتى الآن بسبب المجاعة، في ظل انهيار الأمن الغذائي الكامل في شمال القطاع، وتفاقم الأزمة الصحية والإنسانية.

المحتجون طالبوا الحكومات الغربية بوقف دعمها غير المشروط لنظام السيسي، الذي وصفوه بـ”القامع في الداخل والمتواطئ في الخارج”، كما دعوا الجاليات العربية إلى الاستمرار في الضغط الميداني والإعلامي حتى فتح معبر رفح دون شروط.

تحركات متصاعدة ورسائل محرجة للنظام المصري

التحرك في لندن يأتي ضمن موجة احتجاجية آخذة في التوسع في العواصم الغربية ضد الأنظمة المتورطة في حصار غزة، وعلى رأسها النظام المصري. فقد شهدت الأسابيع الماضية تظاهرات أمام السفارات المصرية في باريس، لاهاي، بروكسل، وأوسلو، حملت كلها رسالة واضحة مفادها: “اغضبوا من أجل غزة، واضغطوا على الطغاة”.

وتحاول السلطات المصرية التهرب من الاتهامات عبر الادعاء أن فتح معبر رفح مرهون بموافقة إسرائيلية، وهو ما يرفضه الناشطون الذين يؤكدون أن المعبر مصري بالكامل من الجانب العربي، وأن النظام المصري يمتلك صلاحية فتحه أمام الإغاثة والمصابين متى أراد، لكن موقفه الحالي “نتاج اصطفاف سياسي وأمني مع الاحتلال وأجندات إقليمية تهدف لتركيع المقاومة”، حسب تعبيرهم.

ويرى مراقبون أن تصاعد الضغط الشعبي خارج مصر يمثل إحراجًا متزايدًا لنظام السيسي في المحافل الدولية، خاصة مع الاتهامات الأممية المتكررة لمصر بالتقصير الإنساني، ورفضها تسهيل مرور قوافل الإغاثة، رغم استشهاد المئات جوعًا في شمال غزة.

ووفقًا لمنظمات حقوقية، فإن النظام المصري لم يُقدم حتى اللحظة على أي خطوة ملموسة لتخفيف المعاناة في غزة، بل شارك في مفاوضات وصفها البعض بـ”التقزيمية” التي تعطي أولوية لملف الجنود الإسرائيليين على حساب إنقاذ المدنيين المحاصرين.

بين العصا والكوفية.. السيسي تحت الحصار المعنوي

ما جرى أمام سفارة مصر في لندن ليس حدثًا رمزيًا فحسب، بل مؤشر على تحوّل تدريجي في المزاج العالمي والعربي، بات يُدين الأنظمة العربية التي تسوّق لنفسها كداعم للقضية الفلسطينية بينما تشارك فعليًا في خنقها.

في وقت تتعرض فيه غزة لمجزرة بطيئة تُدعى “المجاعة”، يتلقى نظام السيسي رسالة واضحة من الشارع الدولي: “بواباتكم مغلقة؟ إذن سنغلق سفاراتكم رمزيًا حتى تفتحوا أبواب الحياة لأهالي القطاع”.

الكرة الآن في ملعب النظام المصري، إما أن يختار رفع الحصار فعليًا، أو أن يواجه مزيدًا من الضغوط والفضائح في الخارج، التي بدأت بكوفية على باب السفارة، وقد لا تنتهي عند هذا الحد.

اقرأ أيضًا : الاحتلال يسرّع ضم الضفة الغربية قانونيًا.. وعباس متواطئ