في وقت يُواصل فيه الاحتلال الإسرائيلي قضم الأراضي الفلسطينية وفرض منظومة قانونية تُرسخ سيطرته الدائمة على الضفة الغربية، يلتزم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الصمت المطبق، متجاهلًا خطواتٍ تمهّد لضمٍّ كامل لما تبقى من الأرض الفلسطينية، في خيانة واضحة لمسؤولياته الوطنية والتاريخية.

قانون على المقاس: بنية تشريعية لتثبيت الضم

كشف تقرير تحليلي صدر مؤخرًا عن مركز “عدالة” لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل، أن حكومة بنيامين نتنياهو، بدعم وزرائه المتطرفين وعلى رأسهم بتسلئيل سموتريتش، تنفذ خطة مُحكمة لتغيير النظام القانوني السائد في الضفة الغربية المحتلة، بما يُسرّع عملية الضم الفعلي، ويُكرّس التمييز والفصل العنصري بين الفلسطينيين والمستوطنين. التقرير، الذي جاء في 87 صفحة تحت عنوان “الهياكل القانونية للتمييز والفصل العنصري وتصنيف المناطق”، يُظهر أن تل أبيب لم تعد تكتفي بالاستيطان على الأرض، بل باتت تشرعن هذا الاستيطان من خلال بنية قانونية مزدوجة، تفرض الحكم المدني على المستوطنات، والحكم العسكري على الفلسطينيين.

هذا الإجراء لا يعبّر فقط عن ازدواجية عنصرية في ممارسة السلطة، بل يتعداه ليكون خرقًا صريحًا للقانون الدولي الإنساني، الذي يمنع فرض قوانين الدولة المحتلة على الإقليم المحتل، ويعتبر ذلك ضمًا غير قانوني.

آليات الضم: إدارة مدنية، حوافز مالية، واستيلاء قانوني

يُسلط التقرير الضوء على ثلاث آليات مركزية تُوظفها إسرائيل لترسيخ سيطرتها على الضفة الغربية، خاصة المنطقة (ج) التي تشكّل أكثر من 60% من مساحة الضفة:

  1. نقل الحكم إلى الإدارة المدنية: حيث نُقلت سلطات القرار من الحكم العسكري إلى موظفين مدنيين موالين للمستوطنين، ما يُعزز سيادة القانون الإسرائيلي داخل المستوطنات. هذه الخطوة ليست إدارية فقط، بل ذات أبعاد سياسية ترمي لخلق واقع دائم يصعب التراجع عنه.

  2. حوافز مالية ضخمة: إذ تُمنح المستوطنات تسهيلات مالية واستثمارية تفوق ما يحصل عليه المواطن داخل الخط الأخضر، في إطار سياسة دعم مباشر تشمل الإسكان والبنية التحتية والزراعة، وهو ما يُعد انتهاكًا واضحًا لاتفاقيات جنيف التي تمنع المستوطنات في الأراضي المحتلة.

  3. إعلان الأراضي كـ”أراضي دولة”: وهي الحيلة القانونية التي تعتمدها إسرائيل للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية. التقرير يُظهر قفزة غير مسبوقة في هذا المضمار؛ إذ تم إعلان أكثر من 24 ألف دونم كأراضٍ تابعة للدولة خلال أقل من عام، وهو رقم يتجاوز ما تم الاستيلاء عليه خلال 18 عامًا بين 1998 و2016.

الضم بالتقسيط.. وصمت فلسطيني رسمي مخزٍ

رغم وضوح المخطط الإسرائيلي، ووجود وثائق دامغة تُدين هذه السياسات، لا تزال السلطة الفلسطينية تكتفي بالتصريحات الدبلوماسية الهزيلة، دون اتخاذ أي إجراءات حقيقية. الأدهى، أن التنسيق الأمني لا يزال مستمرًا، فيما تنشط البعثات الدبلوماسية للسلطة في تجميل وجه الاحتلال دوليًا بدلاً من فضحه.

هذا التواطؤ – أو على الأقل العجز المقصود – يُمثل خيانة موصوفة بحق الشعب الفلسطيني، خاصة أن تقرير “عدالة” يُشير بوضوح إلى أن ما يجري اليوم هو الأخطر منذ الاحتلال عام 1967، ويهدد ما تبقى من إمكانية لإقامة دولة فلسطينية.

ويؤكد التقرير أن إسرائيل لا تقوم بهذه الخطوات بشكل منفرد، بل بدعم سياسي ومالي غربي غير مباشر، وصمت دولي شبه مطبق، مقابل انشغال العالم بالمجازر الجارية في غزة. هذا التركيز الإعلامي على القطاع سمح لتل أبيب بالعمل بهدوء على ضم الضفة، تمامًا كما أشار التقرير، ما يُعزز فرضية أن المشهد في غزة يُستخدم كغطاء لتحولات استراتيجية بالضفة.

جرائم حرب وسياسات فصل عنصري موثقة

التقرير يُدين إسرائيل بارتكاب خمس جرائم كبرى:

  • انتهاك القانون الدولي الإنساني

    الضم الفعلي غير القانوني

  • حرمان الفلسطينيين من حق تقرير المصير
  • توسيع نظام الفصل العنصري (أبارتهايد)
  • ارتكاب جرائم حرب

     

كما تربط منظمة “عدالة” هذه الجرائم بما يحدث في القدس وغزة، في إطار منظومة تهجير قسري شاملة، تستهدف الفلسطينيين في كل مكان. وقالت الدكتورة سهاد بشارة إن التقرير يهدف إلى “خلق ضغط دولي حقيقي” لوقف هذا الزحف القانوني والهيكلي الاستعماري.

وفي السياق ذاته، وثقت منظمة “عير عميم” الإسرائيلية غير الحكومية، استمرار مشاريع تهويد القدس الشرقية، مؤكدة أن أساليب التهجير هناك تتطابق مع تلك المستخدمة في الضفة وغزة.

خاتمة: بين عدالة القانون وخيانة القيادة

بينما تعمل المؤسسات الحقوقية بكامل طاقتها لكشف حقيقة المشروع الإسرائيلي القائم على الضم والاستيطان والفصل العنصري، تُواصل القيادة الفلسطينية الرسمية دفن رأسها في الرمال، غير آبهة بتسارع الكارثة.

إن ما كشفه تقرير “عدالة” لا يحتمل التأجيل أو الانتظار؛ فإسرائيل لا تُخفي نواياها، بل تعمل علنًا على ترسيخ واقع يصعب تغييره لاحقًا، وكل يوم يمرّ دون تحرك فلسطيني رسمي وشعبي ودولي يُعتبر مساهمة غير مباشرة في هذه الجريمة التاريخية.

اقرأ أيضًا :  تمرد دبلوماسي داخل الخارجية الألمانية: دعوات شبابية لكسر الصمت تجاه جرائم إسرائيل في غزة