رغم مرور أكثر من عام على فرض قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي” حصاراً خانقاً على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، ما تزال الأزمة تتفاقم وتلقي بظلالها على أكثر من 260 ألف مدني محاصرين داخل المدينة. وبينما تتواصل معاناة السكان تحت القصف المدفعي ونقص الغذاء والدواء، أبدت الولايات المتحدة تفاؤلاً حذراً بإمكانية دخول مساعدات إنسانية “قريباً جداً”، في خطوة قد تخفف بعضاً من الكارثة الإنسانية المتصاعدة.

مأساة الفاشر الإنسانية تحت نيران حميدتي
مدينة الفاشر تحولت في الأشهر الأخيرة إلى بؤرة لأزمة السودان المتفاقمة. القصف الذي طال الأسواق والمستشفيات ومخيمات النازحين حوّل الحياة إلى جحيم يومي، حيث أفاد مصدر طبي مؤخراً بمقتل 15 شخصاً جراء قصف استهدف السوق المركزي. ومع كل يوم يمر، يتراجع الأمل في النجاة، إذ بات السكان يلجأون إلى أعلاف الحيوانات كمصدر غذاء، بينما تتوقف محطات المياه والكهرباء بشكل شبه كامل.
الأمم المتحدة حذرت مراراً من أنّ أكثر من مليون شخص في شمال دارفور يواجهون خطر المجاعة، معتبرة أن ما يجري في السودان يمثل “أسوأ أزمة إنسانية في العالم”. هذه الأوضاع تعكس حجم الانهيار الكامل للبنية التحتية والخدمات، وتكشف حجم العجز الدولي في حماية المدنيين أمام آلة الحرب
التفاؤل الأمريكي: مساعدات قريبة ولكن مشروطة
المبعوث الأمريكي لشؤون إفريقيا، مسعد بولس، حاول بث جرعة من الأمل في تصريحات أدلى بها من نيويورك عقب اجتماع “المجموعة الرباعية” حول السودان (الولايات المتحدة، مصر، السعودية، الإمارات). بولس أعلن أن قوات الدعم السريع وافقت على السماح بدخول المساعدات إلى الفاشر، قائلاً: “نأمل أن نشهد في الأيام المقبلة وصول هذه المساعدات التي طال انتظارها”.
لكن هذا التفاؤل لا يخفي حقيقة أن كل الاتفاقات السابقة سرعان ما انهارت، وأن وعود حميدتي بالسماح بدخول المساعدات غالباً ما تُستخدم كورقة ضغط سياسية أو دعائية. فالمشهد على الأرض يؤكد أن المدنيين لا يزالون عالقين بين كماشة القصف والحصار، دون ضمانة حقيقية لوصول الغذاء والدواء.
دور الإمارات في تعقيد المشهد السوداني
لا يمكن فهم حصار الفاشر بعيداً عن دور الأطراف الإقليمية، وعلى رأسها الإمارات. فبحسب تقارير عديدة، كانت أبوظبي الداعم الأبرز لقوات الدعم السريع، عبر تزويدها بالمال والسلاح، ما منح حميدتي القدرة على إطالة أمد الحرب وتوسيع نفوذه في دارفور.
هذا الدور جعل الإمارات متهمة بالمساهمة المباشرة في تدمير السودان وقتل أهله، تحت غطاء سياسي واقتصادي يقدَّم للعالم على أنه “وساطة” أو “رغبة في الاستقرار”. وفي الواقع، لا يختلف حصار الفاشر كثيراً عن سياسات التجويع والحصار التي مورست في دول أخرى برعاية إقليمية، حيث تُستغل معاناة المدنيين لتكريس موازين قوى جديدة على الأرض.
مستقبل الحرب: لا غالب ولا مغلوب
منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023 بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة حميدتي، لم يتمكن أي طرف من حسم المعركة. المبعوث الأمريكي نفسه أقرّ بأن “الوضع الراهن لا يمنح الأفضلية لأي طرف”، معتبراً أن هذا قد يشجع الطرفين على العودة إلى طاولة التفاوض.
غير أن التجارب السابقة تُظهر أن المفاوضات ظلت حبيسة القاعات دون أثر حقيقي على الأرض، حيث يتعثر أي اتفاق أمام تعنت القيادات العسكرية وتضارب المصالح الإقليمية والدولية. وهكذا تبقى الفاشر نموذجاً صارخاً لعجز المجتمع الدولي، ولتلاعب القوى الإقليمية – خصوصاً الإمارات – بمصير السودانيين.
خاتمة: الفاشر مرآة لأزمة أوسع
إن استمرار حصار الفاشر ليس مجرد حدث محلي، بل انعكاس مباشر لحالة السودان الذي غرق في حرب داخلية طاحنة، غذّتها الحسابات الإقليمية والدولية. التفاؤل الأمريكي بفتح ممرات للمساعدات يظل خطوة إيجابية إن تحققت، لكنه لا يعالج جذور الأزمة، بل قد يتحول إلى مسكن مؤقت في ظل حرب ممتدة.
وبينما يترقب العالم وصول قوافل الغذاء والدواء إلى المدينة المحاصرة، يظل السؤال الأكبر معلقاً: من سيحاسب الأطراف التي تسببت في هذه الكارثة، وعلى رأسها الإمارات التي لعبت دوراً مركزياً في تدمير السودان ودفعه نحو الهاوية؟
اقرأ أيضًا : الإمارات وراء دمار السودان.. قصف بالمدفعية الثقيلة يضرب الفاشر المحاصرة