في جريمة جديدة تضاف إلى سجل الإبادة الجماعية التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، استشهد 86 فلسطينيا وأصيب العشرات منذ فجر الثلاثاء، جراء سلسلة غارات وحشية استهدفت منازل المدنيين، ومناطق تجمع منتظري المساعدات الإنسانية، ومحطات توزيع المياه في شمال وجنوب القطاع. 

هذه المذابح المتنقلة تفضح الطبيعة الإجرامية للاحتلال الذي يتعمد ضرب أكثر الأماكن اكتظاظًا بالسكان، مستغلاً صمت المجتمع الدولي ودعم الولايات المتحدة، ليواصل مشروعه التدميري الذي يطول البشر والحجر بلا استثناء.

استهداف متعمد للمدنيين والصحفيين

لم تسلم الكوادر الإعلامية من آلة القتل الإسرائيلية، حيث استشهد المصور الصحفي رسمي جهاد سالم وأصيب ثلاثة آخرون جراء قصف استهدف شارع أبو الأمين في حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة. هذه الجريمة تأتي ضمن سياسة ممنهجة لإسكات الشهود وتكميم الأفواه التي توثق الإبادة، بعدما تحوّلت غزة إلى مسرح دموي تُرتكب فيه الجرائم على مرأى العالم.

كما استشهدت سيدة فلسطينية وطفلها إثر استهداف طائرة مسيرة إسرائيلية محيط “مدرسة شهداء الزيتون” جنوب شرق مدينة غزة، ما يؤكد أن الاحتلال يواصل تعمده استهداف النساء والأطفال كجزء من سياسة الردع الدموي التي يمارسها ضد المدنيين العزّل.

مجازر متكررة في الأحياء السكنية

في حي الدرج وسط غزة، ارتكب الاحتلال مجزرة مروعة حين قصف منزلًا مكوّنًا من ثلاثة طوابق يعود لعائلتي الهور والعف، وأسفر الهجوم عن استشهاد 11 شخصًا بينهم 3 أطفال وسيدتان، بينما لا يزال 7 أطفال تحت الأنقاض، أحدهم لم يتجاوز العام والنصف. الدفاع المدني الفلسطيني أكد أن محاولات الإنقاذ تواجه صعوبات بالغة بسبب كثافة القصف ونقص المعدات.

وفي حي تل الهوى غرب غزة، ارتفعت حصيلة شهداء قصف الطيران الإسرائيلي لبناية سكنية إلى 14 شهيدًا معظمهم من عائلتي طليب وفورة، بينهم نساء وأطفال. هذه الجرائم تعكس استراتيجية إسرائيلية متواصلة تهدف إلى تفريغ الأحياء السكنية من سكانها عبر القتل المباشر والتدمير الشامل.

استهداف النازحين ومنتظري المساعدات

الأخطر من ذلك هو استهداف الاحتلال للنازحين ومنتظري المساعدات الإنسانية. فقد استشهد فلسطينيان وأصيب آخرون جراء قصف خيمة للنازحين قرب “سويدي النصر” غرب المدينة، كما وصل خمسة جثامين إلى مستشفى العودة بعد أن قتلهم جنود الاحتلال بالرصاص قرب نقطة توزيع مساعدات في منطقة نتساريم وسط القطاع.

وفي خان يونس جنوبًا، استشهد 12 فلسطينيا بينهم 7 أطفال جراء قصف طائرة مسيرة إسرائيلية لخيمة نازحين وسيارة مدنية في منطقة العطار. المأساة أن الغارة وقعت بينما كان الأطفال مصطفين للحصول على المياه، ليحوّل الاحتلال مشهد الطفولة البريئة إلى مجزرة دموية. كما استشهدت سيدة برصاص طائرة مسيرة إسرائيلية من نوع “كواد كابتر” أثناء محاولتها ملء وعاء ماء قرب أبراج حمد شمال خان يونس.

حرب إبادة شاملة بدعم أمريكي

تزامنًا مع هذه المجازر اليومية، يواصل جيش الاحتلال تفجير منازل الفلسطينيين بآليات عسكرية مفخخة في الشيخ رضوان والزيتون، إضافة إلى شن غارات جوية كثيفة لا تهدأ. الاحتلال لا يكتفي بالقصف، بل يستخدم قنابل إنارة لإشعال الحرائق في خيام النازحين، ويستعين بمسيرات صغيرة لإطلاق النار المباشر على المواطنين، في مشهد يعكس حجم الإجرام والإصرار على استهداف كل أشكال الحياة.

هذه الجرائم ترتكب بدعم سياسي وعسكري أمريكي معلن منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، في إطار إبادة جماعية أدت إلى استشهاد أكثر من 63 ألف فلسطيني وإصابة ما يزيد على 160 ألفًا، معظمهم من النساء والأطفال. كما خلفت المجازر أكثر من 9 آلاف مفقود تحت الركام، فيما حوصر مئات آلاف النازحين في ظروف إنسانية قاسية بلغت حد المجاعة، التي قتلت وحدها 361 فلسطينيًا بينهم 130 طفلًا.

الإجرام الممنهج وغياب العدالة الدولية

اللافت أن الاحتلال يواصل ارتكاب هذه الجرائم رغم قرارات محكمة العدل الدولية التي ألزمت إسرائيل بوقف الإبادة الجماعية وضمان تدفق المساعدات الإنسانية. غير أن تل أبيب تتجاهل تلك الأوامر، مطمئنة إلى غطاء أمريكي وغربي يحول دون أي محاسبة حقيقية. ما يجري ليس مجرد تجاوز للقانون الدولي، بل تحدٍ سافر له، وانتهاك ممنهج لمبادئ حقوق الإنسان والمواثيق الدولية.

خلاصة: جريمة إنسانية مستمرة

حصيلة الشهداء الجديدة في غزة ليست مجرد أرقام، بل قصص إنسانية مؤلمة تعكس حجم الإجرام الإسرائيلي بحق شعب أعزل. استهداف منتظري المساعدات ومحطات المياه يكشف أن الهدف لم يعد مجرد “ضرب المقاومة”، بل القضاء على مقومات الحياة نفسها عبر التجويع والعطش والقتل الجماعي.

إن ما يحدث في غزة يرقى إلى جريمة إبادة مكتملة الأركان، تتجاوز حدود الحرب التقليدية لتصبح مشروعًا استعماريًا دمويا يسعى لاقتلاع شعب بأكمله. ورغم كل هذا، يظل الشعب الفلسطيني صامدًا، متمسكًا بحقه في الحياة والحرية، بينما يواصل الاحتلال إظهار وجهه الحقيقي كقوة احتلال لا تعرف سوى منطق الإجرام والقوة الغاشمة.

اقرأ أيضا : بلطجة وزير الخارجية.. القنصلية المصرية بنيويورك تتحول إلى ساحة اعتداء