بقلم / أحمد محمد أحمد

رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار، لا تزال غزة تحصد شهداء جددًا بفعل آثار حرب الإبادة التي شنّها الاحتلال الإسرائيلي لأكثر من عامين، في مشهد يكشف أن الموت لم يغادر القطاع، بل غيّر شكله فقط. فقد أعلنت وزارة الداخلية في غزة، الأحد، حصيلة جديدة لضحايا انهيار المباني المتضررة من القصف الإسرائيلي، مؤكدة أن الكارثة تتفاقم بصمت في ظل غياب أي تحرك دولي جاد.

وبحسب بيان الوزارة، فإن الفترة الممتدة من 10 أكتوبر تشرين الأول الماضي، تاريخ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وحتى يوم أمس السبت، شهدت انهيار 46 مبنى سكنيًا متضررًا، ما أسفر عن استشهاد 18 فلسطينيًا. هذه المباني كانت قد تضررت بشكل بالغ خلال حرب الإبادة، لكنها ظلت مأهولة بالسكان لغياب أي بدائل سكنية، في ظل منع الاحتلال إدخال مواد البناء أو البيوت المتنقلة.

وأوضحت الوزارة أن آخر هذه الحوادث وقعت مساء السبت في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، حيث أدى انهيار مبنى متصدع إلى استشهاد أربعة مواطنين دفعة واحدة، في واقعة تعكس حجم الخطر اليومي الذي يعيشه السكان. وأكدت أن ما يجري ليس حوادث فردية، بل “كارثة مستمرة لانهيار المنازل المتضررة على رؤوس ساكنيها”.

وحذّرت وزارة الداخلية من اتساع نطاق هذه الكارثة مع دخول فصل الشتاء، مشيرة إلى أن الأمطار والرياح الشديدة تزيد من احتمالية انهيار المباني المتصدعة، في ظل استمرار الاحتلال في منع الإعمار ورفضه إدخال الكرافانات، في تنصل واضح من التزاماته المنصوص عليها في اتفاق وقف إطلاق النار.

سكن قسري في بيوت الموت

في غزة اليوم، لا يختار الفلسطينيون المخاطرة بأرواحهم، بل يُجبرون عليها. فمع تدمير معظم المباني السكنية في القطاع، يجد آلاف السكان أنفسهم مضطرين للعودة إلى بيوت متصدعة وآيلة للسقوط، لأنها الخيار الوحيد المتاح. لا خيام كافية، ولا بيوت متنقلة، ولا إعادة إعمار، فقط مبانٍ مشروخة تنتظر لحظة الانهيار.

مصادر حكومية أكدت أن القطاع شهد خلال الأسابيع الماضية عدة حوادث انهيار لمنازل وبنايات سكنية تضررت سابقًا من القصف، وأسفرت عن شهداء وجرحى، وسط عجز كامل لفرق الإنقاذ عن التعامل مع حجم المخاطر. في المقابل، ناشد الدفاع المدني سكان المباني غير الصالحة للسكن بإخلائها فورًا، محذرًا من أن أي تأخير قد يكون ثمنه الموت.

من جهتها، قالت حركة حماس إن استمرار انهيار المباني التي قصفها الاحتلال يعكس تفاقم المخاطر الإنسانية الناتجة عن الحصار المشدد، داعية الوسطاء إلى التحرك الجاد لوقف خروق الاحتلال والضغط عليه لبدء عملية إعمار حقيقية، بدل الاكتفاء بالبيانات.

نكبة المستشفيات… أرقام صادمة

بالتوازي مع مأساة المباني المنهارة، تتكشف فصول أكثر قتامة داخل مستشفيات غزة، حيث أعلنت وزارة الصحة عن استنزاف خطير وغير مسبوق في المنظومة الصحية. ووفق بيان رسمي، بلغت نسب العجز 52 بالمئة في الأدوية الأساسية، و71 بالمئة في المستهلكات الطبية، بعد عامين من الحرب والحصار المطبق.

وأوضحت الوزارة أن هذا العجز أدى إلى شلل واسع في الخدمات التشخيصية والعلاجية، محذرة من أن النظام الصحي بات عاجزًا عن الاستجابة للاحتياجات الأساسية للمرضى. وأشارت إلى أن العجز في قائمة خدمات غسيل الكلى حرم 650 مريضًا من جلسات العلاج المنتظمة، ما يهدد حياتهم بشكل مباشر.

أما مرضى السرطان، فكانوا من بين أكثر الفئات تضررًا، إذ كشفت الوزارة أن نسبة العجز في أدوية الأورام العلاجية وصلت إلى 70 بالمئة، ما أدى إلى حرمان نحو ألف مريض من العلاج، وتسبب بالفعل في وفاة عدد منهم، في جريمة بطيئة تتم تحت أنظار العالم.

وحذّرت الوزارة من أن مرضى الأمراض المزمنة باتوا عرضة لانتكاسات صحية قاتلة، بما في ذلك الجلطات الدماغية والقلبية، في ظل غياب أي تدخلات علاجية أو تشخيصية، وهو ما يعني “موتًا محققًا” لكثير من الحالات.

تعطيل متعمد للإنقاذ الطبي

وأكدت وزارة الصحة التوقف الكامل لخدمات القسطرة القلبية وعمليات القلب المفتوح، نتيجة انعدام الأدوية والمستهلكات الطبية بنسبة 100 بالمئة. وأضافت أن ما يتوفر بشكل محدود من خدمات القسطرة يتم تخصيصه فقط لحالات إنقاذ الحياة، في ظل سياسة فرز قاسية فرضها الواقع.

كما أشارت إلى أن 59 بالمئة من الفحوصات المخبرية الأساسية غير متوفرة، بما في ذلك فحوصات حيوية منقذة للحياة، مثل فحوصات صورة الدم، وأملاح الدم، وتحديد وحدات الدم، والمزارع البكتيرية، وفحوصات مرضى الفشل الكلوي.

ويأتي ذلك في وقت تواصل فيه إسرائيل تقليص دخول الشاحنات الطبية إلى أقل من 30 بالمئة من الاحتياج الشهري، رغم انتهاء الحرب، واستمرار سريان اتفاق وقف إطلاق النار الذي نص صراحة على إدخال الكميات المتفق عليها من الأدوية والمستلزمات الطبية.

أين الوسطاء؟

ورغم المناشدات المتكررة، لا تزال إسرائيل تواصل تنصلها من التزاماتها، وسط صمت دولي مريب. وقد دعا مدير منظمة الصحة العالمية إلى الموافقة العاجلة على دخول الإمدادات والمعدات الطبية الأساسية، محذرًا من أن المرافق الصحية في غزة تواجه نقصًا حادًا بسبب القيود المعقدة وإجراءات الدخول التعسفية.

في المحصلة، ما يجري في غزة اليوم ليس “تداعيات ما بعد الحرب”، بل استمرار لجريمة الاحتلال بأدوات مختلفة: مبانٍ تنهار، مرضى يموتون بصمت، وحصار يخنق الحياة. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أين الوسطاء الذين تعهدوا بالضمان؟ وأين المجتمع الدولي من إجرام الاحتلال المستمر؟

اقرأ أيضًا : الغذاء غير كافٍ والنزوح يتفاقم: مأساة إنسانية في النيل الأبيض وسط إجرام الإمارات وميليشيا الدعم السريع