تقف محافظة حضرموت شرقي اليمن على حافة انفجار واسع، وسط حالة من التوتر غير المسبوق بين أكبر تكتل قبلي في المحافظة “حلف قبائل حضرموت” وبين المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيا، في ظل تحركات عسكرية وتصريحات تهديد مباشرة أثارت مخاوف من اندلاع مواجهة مسلحة في منطقة تُعد الأكثر حساسية والأغنى بالنفط في البلاد.
السلطات المحلية في حضرموت خرجت ببيان تحذيري غير معهود، عبّرت فيه عن “قلق بالغ” مما وصفته بدعوات التصعيد والحشد التي تشهدها المحافظة خلال الأيام الأخيرة، معتبرة أن هذه الدعوات “تهدف إلى تمزيق وحدة الصف وإثارة الفتنة”. وأكدت أن قبائل حضرموت ظلت لعقود نموذجًا للاستقرار والإدارة الرشيدة، وأن أي محاولات لزرع الانقسام تهدد النسيج الاجتماعي والأمن المحلي.

التصعيد الذي تخشاه السلطة لم يأت من فراغ؛ فقبل ساعات، أطلق قائد ما يسمى “الدعم الأمني” التابع للمجلس الانتقالي والمدعوم إماراتيًا، صالح بن الشيخ أبوبكر، المكنى بـ”أبو علي الحضرمي”، تهديدات مباشرة لزعيم حلف قبائل حضرموت الشيخ عمرو بن حبريش العليي، اتهمه خلالها بإغراق المحافظة بالسلاح والمخدرات، وقال حرفيًا: “لن نسكت عمّا يقوم به”.
هذا التهديد الصريح اعتبره مراقبون مؤشرًا خطيرًا على نية الانتقالي جرّ المحافظة إلى confrontations مفتوحة، خاصة أن “الدعم الأمني” هو تشكيل عسكري جديد أنشأته الإمارات قبل أشهر فقط، ويضم عناصر من محافظتي الضالع ولحج، ويصل قوامه—وفق مصادر قبلية—إلى نحو 20 ألف عنصر ينتشرون في مناطق شديدة الحساسية، بينها مطار الريان وميناء الضبة النفطي.

قبائل حضرموت اعتبرت الأمر استفزازًا واضحًا، خاصة أن الحلف القبلي يشكل القوة الاجتماعية الأكبر في المحافظة، وله نفوذ مسلح في مناطق الهضبة وفي الطرق الحيوية الخاصة بنقل النفط. كما أنه يقف بالمرصاد لمشاريع الانتقالي والإمارات في المحافظة، ويمنع سيطرة أبوظبي على مناطق الامتداد الصحراوي والنفطي.
وفي الأشهر الماضية، أنشأ الحلف التشكيل العسكري الخاص به تحت مسمى “قوات حماية حضرموت”، كرد فعل مباشر على تمدد التشكيلات المدعومة إماراتيًا، وهو ما خلق توازن قوة هش، لكنه قابل للانهيار في أي لحظة إذا استمرت التهديدات والتعزيزات العسكرية.

قبائل حضرموت تتحرك وردّ جماعي على تهديدات الانتقالي

ردّ زعيم الحلف القبلي الشيخ عمرو بن حبريش جاء سريعًا، إذ دعا إلى اجتماع قبلي موسع اليوم الخميس لبحث المستجدات، في خطوة تظهر حجم القلق داخل البنية القبلية الحضرمية وحرصها على منع أي محاولة لفرض السيطرة بالقوة.
وقام بن حبريش بجولة ميدانية على النقاط والحواجز التابعة لمقاتلي الحلف وقوات “حماية حضرموت” في منطقة الهضبة، ليبعث رسالة واضحة مفادها أن القبائل مستعدة لأي احتمالات وأنها لن تسمح بتغيير ميزان القوى في المحافظة دون توافق.

في المقابل، يواصل المجلس الانتقالي الجنوبي حشد قواته القادمة من لحج وأبين وشبوة باتجاه ساحل حضرموت، في تصعيد يُقرأ على أنه محاولة لفرض واقع جديد قبل أي تسوية سياسية محتملة. ويخشى سكان المحافظة من دخول هذه القوات في مواجهة مباشرة مع القوات القبلية، خصوصًا بعد الاشتباكات التي اندلعت في سبتمبر الماضي بين مقاتلين من الحلف وقوات “الدعم الأمني” في مديرية غيل بن يمين أثناء محاولة الأخيرة السيطرة على مواقع استراتيجية.

القبائل بدورها وجهت تحذيرًا شديد اللهجة لما يسمى “الدعم الأمني”، رافضة أي وجود له داخل حضرموت باعتباره “قوة دخيلة” لا تنتمي إلى المجتمع المحلي. ويؤكد الحلف أن عناصر هذا التشكيل أُدخلوا من خارج المحافظة بهدف تغيير بنيتها الأمنية وتهيئة الظروف لسيطرة الإمارات على الموانئ والمطارات والثروات، وهو ما يعتبره الحضارم “خطًا أحمر”.

ويُذكر أن الإمارات تسيطر منذ سنوات على مواقع حيوية في المحافظة، بينها مطار الريان المغلق منذ سنوات لأسباب غير مفهومة، إضافة إلى ميناءي المكلا التجاري والضبة النفطي. كما أنها تمتلك نفوذًا قويًا عبر “النخبة الحضرمية” التي تأسست عام 2016، وصارت لاحقًا أداة مهمة ضمن مشروع أبوظبي لتقسيم الجنوب وتمكين الانتقالي من السيطرة على المحافظات الشرقية.

وبين تحذيرات السلطة المحلية، وتهديدات الانتقالي، واستنفار القبائل، تبدو حضرموت اليوم على صفيح ساخن. التوتر القبلي والسياسي والعسكري يتداخل مع مصالح اقتصادية ضخمة، فالمحافظة الغنية بالنفط تُعد أحد أهم المواقع الاستراتيجية في الساحة اليمنية، وأي تغيير في توازن القوى فيها ستكون له انعكاسات إقليمية ودولية.
المجتمع المحلي يخشى أن يكون التصعيد الحالي جزءًا من محاولات فرض مشروع سياسي بالقوة، بينما تصر القبائل على أن حضرموت يجب أن تبقى لأبنائها بعيدًا عن التدخلات الخارجية. ومع استمرار التحشيد ونشر القوات والتهديدات، تبدو المحافظة فعلًا فوق برميل بارود، ولا يحتاج الأمر سوى شرارة صغيرة لتمتد النار إلى كل شرق اليمن.

اقرأ أيضًا : الإمارات تقف خلف المليشيا.. العفو الدولية توثق شهادات مروّعة لناجين من جرائم الدعم السريع في الفاشر