شهدت محافظة السويداء جنوب سوريا تصعيدًا خطيرًا، أسفر عن مقتل أكثر من 30 شخصًا وإصابة ما يزيد عن 100، في مواجهات مسلحة بين فصائل درزية وأخرى بدوية. 

الحدث استدعى تدخلاً أمنيًا وعسكريًا عاجلًا من قوات النظام السوري الجديد، وفرضًا لحظر تجوال شامل “حتى إشعار آخر”، في مشهد يعكس هشاشة الاستقرار في الجنوب، وتضارب المصالح المحلية والإقليمية في منطقة حساسة ذات أغلبية درزية.

لكن خلف هذه الاشتباكات التي توصف بـ”الداخلية”، تبرز مؤشرات واضحة على أدوار خارجية، خاصة من الإمارات والاحتلال الإسرائيلي، اللذين يُتهمان بدعم جماعات مسلحة درزية بهدف إعادة تشكيل موازين القوى جنوب سوريا.

الخلفية الميدانية – اشتباكات غير مسبوقة وحظر تجوال شامل

أعلن قائد الأمن الداخلي في السويداء، أحمد الدالاتي، فرض حظر تجوال كامل في المدينة بدءًا من الساعة الثامنة صباحًا وحتى إشعار آخر، بسبب “الحرص على سلامة المدنيين” بعد التصعيد الخطير بين مجموعات مسلحة محلية.

الاشتباكات اندلعت بين فصائل درزية مسلحة يُعتقد أن بعضها يرتبط بشكل غير مباشر بداعمين خارجيين، وبين مجموعات من العشائر البدوية في ريف المحافظة، وخاصة في بلدتي المزرعة وولغا. تدخلت القوات الحكومية بقوة، مستخدمة الذخيرة الحية، ومدعومة من الجيش بهدف فرض القانون واستعادة السيطرة على المراكز الحيوية داخل المدينة.

وزارة الدفاع السورية أكدت في بيان لها استمرار عملياتها “لملاحقة المجموعات الخارجة عن القانون” في محيط السويداء، بينما طالبت الداخلية الأهالي بالالتزام الكامل بمنازلهم والإبلاغ عن أي تحركات مشبوهة. 

ويبدو أن الاشتباكات لم تكن مجرد نزاع محلي محدود، بل مرآة لصراع أوسع تُستخدم فيه السويداء كورقة ضمن حسابات إقليمية متداخلة.

الإمارات والاحتلال الإسرائيلي.. دعم خفي يُعيد رسم مشهد الجنوب

رغم محاولة الإعلام الرسمي تصوير ما يجري في السويداء على أنه “صراع محلي داخلي”، فإن المعطيات تشير إلى تورط جهات خارجية في تأجيج الوضع. 

تقارير متقاطعة من مصادر استخبارية وإعلامية تحدثت في الأشهر الماضية عن اتصالات سرية بين جهاز “الموساد” الإسرائيلي، ومسؤولين من الطائفة الدرزية في سوريا، في محاولة لتأسيس شريط نفوذ يمتد من جبل الدروز وحتى منطقة الجولان المحتل، عبر دعم مالي وتسليحي لبعض الفصائل المسلحة تحت شعارات “الحماية الذاتية”.

وتتقاطع هذه المحاولات مع دعم إماراتي مباشر، حيث كشفت تقارير استخباراتية مؤخراً أن أبو ظبي خصصت تمويلات لفصائل درزية محلية.

وقدمت الإمارات عبر وسطاء مساعدات مالية وذخائر لفصائل تتبع اسمياً لـ”الدفاع الذاتي”، لكنها في واقع الأمر أقرب لميليشيات مدعومة سياسيًا ضمن مشروع لإعادة هيكلة الجنوب السوري.

هذا التمويل لم يكن يهدف لحماية المدنيين، بل لاستخدام أبناء الطائفة الدرزية وقودًا لصراعات إقليمية تديرها أبو ظبي وتل أبيب عن بعد، مستغلين الفجوة بين النظام السوري والطائفة الدرزية.

 الغارات الإسرائيلية ورسائل التحذير للنظام

في تطور موازٍ، شنت طائرات الاحتلال الإسرائيلي ثلاث غارات جوية، مساء الاثنين، استهدفت مواقع في ريف السويداء وتحديدًا محيط بلدتي المزرعة وكناكر. ورغم اقتصار الأضرار على الخسائر المادية بحسب وكالة “سانا”، فإن توقيت الغارات يحمل رسائل واضحة.

الرسالة الأولى موجهة للنظام السوري، ومفادها أن أي محاولة لاستعادة السيطرة الكاملة على السويداء قد تُواجه بالردع الجوي الإسرائيلي.

أما الرسالة الثانية، فهي للطائفة الدرزية نفسها، فالغارات تأتي في وقت تُبذل فيه جهود إسرائيلية واضحة لخلق تحالفات درزية عابرة للحدود، خاصة بين دروز الجولان ودروز سوريا، بما يضمن لإسرائيل حزامًا آمنًا في خاصرتها الشمالية الشرقية.

وفي ظل الصمت الدولي، والانشغال الإقليمي بالملف اللبناني والفلسطيني، تستثمر إسرائيل اللحظة لتوسيع هوامش حركتها جنوب سوريا، تحت ستار مكافحة الفوضى أو دعم “مناطق آمنة” للطائفة الدرزية.

بين الحصار الداخلي والاستثمار الخارجي.. السويداء في مفترق طرق

ما يحدث في السويداء ليس نزاعًا قبليًا كما تحاول بعض الجهات الترويج، بل هو نتاج تداخل خطير بين فشل الدولة السورية في بسط سيطرتها الحقيقية على المحافظات الجنوبية، ووجود مشاريع إقليمية تستثمر في الفوضى المجتمعية والعسكرية.

الإمارات والاحتلال الإسرائيلي حاضران بقوة في مشهد الجنوب السوري، عبر تمويل وتسليح واستمالة قادة فصائل، بهدف تشكيل واقع جديد وتحقيق نفوذ ناعم في الجغرافيا السورية المنهكة.

اقرأ أيضًا : 60 نائبًا بريطانيًا يتهمون “إسرائيل” بالتطهير العرقي ويطالبون لندن بالاعتراف الفوري بفلسطين