فجّرت تصريحات حكمت الهجري، الزعيم الروحي لطائفة الدروز في محافظة السويداء، موجة غضب واسعة في الأوساط السورية والعربية، بعد مقابلة مثيرة للجدل مع موقع واي نت الإسرائيلي، تبنّى فيها بشكل صريح السردية الإسرائيلية، وذهب إلى حدّ وصف الاحتلال بأنه “المنقذ” للدروز، والدعوة العلنية إلى تقسيم سوريا وبناء أقاليم ذاتية الاستقلال بضمانة إسرائيلية.

تصريحات الهجري لم تكن مجرد مواقف انفعالية في سياق أزمة محلية، بل مثّلت انقلابًا سياسيًا وأخلاقيًا كاملاً، نقل الرجل من موقع رجل الدين إلى دور المتحدث باسم المشروع الإسرائيلي في الجنوب السوري، مستخدمًا خطاب “حماية الأقليات” لتبرير التدخل العسكري والتمهيد لمشاريع التفكيك.

“إسرائيل أنقذتنا”.. شرعنة صريحة للعدوان

ادّعى الهجري أن ما جرى في السويداء خلال تموز/يوليو كان “حرب إبادة” استهدفت الدروز، وأن إسرائيل كانت “الدولة الوحيدة في العالم” التي تدخلت عسكريًا وأنقذت الطائفة عبر ضربات جوية. هذا الادعاء يتجاهل عمدًا حقيقة أن تلك الضربات استهدفت مواقع للجيش السوري داخل الأراضي السورية، وتوسعت لاحقًا لتشمل مواقع سيادية في دمشق، في عدوان موثق لا يمكن تبريره إنسانيًا أو قانونيًا.

الأخطر أن الهجري قدّم هذا العدوان كعمل أخلاقي، متجاوزًا أن إسرائيل لم تتحرك يومًا بدافع حماية الأقليات، بل وفق حسابات أمنية بحتة، تستثمر في الفوضى والانقسامات لتعميق إضعاف الدولة السورية.

شيطنة الدولة وتبييض الميليشيات

في المقابلة نفسها، شبّه الهجري الحكومة السورية بتنظيمي “داعش” و”القاعدة”، وادّعى – دون أي أدلة مستقلة – وقوع إعدامات واغتصاب وحرق أحياء بقرار من دمشق. هذه اللغة التحريضية لا يمكن فصلها عن هدف واضح: شيطنة الدولة بالكامل لتبرير نزع الشرعية عنها، مقابل تبييض الفصائل المسلحة المحلية المرتبطة به.

الوقائع الميدانية، كما وثّقتها شهادات محلية، تشير إلى أن الاشتباكات في السويداء بدأت بين مجموعات درزية مسلحة وعشائر بدوية، قبل تدخل الجيش والأمن في محاولة لاحتواء الانفلات. لكن ما يتجاهله الهجري هو أن الفصائل الموالية له نكثت لاحقًا بالاتفاق الذي أفضى إلى انسحاب القوات الحكومية، وهاجمت مناطق عشائرية، وفرضت حصارًا، ونفذت عمليات تصفية ميدانية، ما قاد إلى تصعيد خطير ينسف رواية “الضحية المطلقة”.

الهجوم على العرب… وتقديس إسرائيل

لم يتوقف الهجري عند حدود تمجيد الاحتلال، بل شنّ هجومًا لاذعًا على العالم العربي، متهمًا الدول العربية بالوقوف “مع القاتل ضد الضحية”، ومهاجمًا الإعلام العربي بزعم أنه “شيطن الدروز”. في المقابل، قدّم إسرائيل كنموذج “دولة قانون ومؤسسات”، في تماهٍ كامل مع الدعاية الإسرائيلية التي تتجاهل تاريخ الاحتلال والتهجير والمجازر.

هذا الخطاب لا يعكس فقط قطيعة سياسية، بل محاولة واعية لإعادة تعريف الانتماء، عبر استبدال العمق العربي بسردية “الروابط العائلية والدم” مع إسرائيل، وهو طرح بالغ الخطورة على السلم الأهلي ووحدة المجتمع السوري.

الهجري هو أحد الأدوات الإماراتية حيث يسعى لتنفيذ مخطط أبوظبي لتقسيم سوريا بعد نجاح الثورة واندحار نظام الأسد.

التقسيم كخيار وحيد… تنفيذ مباشر للأجندة الإسرائيلية

بلغت خطورة تصريحات الهجري ذروتها عندما اعتبر أن “الاستقلال التام” والتقسيم هما الحل الوحيد لمستقبل الدروز، كاشفًا عن تأسيس “الحرس الوطني” كقوة عسكرية محلية، مع حديث عن تنسيق استراتيجي مع قوات سوريا الديمقراطية. هذا الطرح لا يمكن قراءته إلا كجزء من مشروع تفكيك سوريا إلى كانتونات طائفية وعرقية، وهو المشروع الذي طالما دافعت عنه مراكز أبحاث وسياسيون إسرائيليون.

تسليح الهوية، وبناء جيوش محلية، والاستقواء بالخارج، ليست وصفة لحماية الأقليات، بل طريق سريع إلى حروب أهلية طويلة، يدفع ثمنها الجميع.

ردود داخلية: رفض واتهام بالخيانة

داخل السويداء نفسها، قوبلت تصريحات الهجري برفض واسع. فقد نقلت منصات محلية عن مدير أمن مدينة السويداء سليمان عبد الباقي قوله إن “الهجري خائن وعميل ومندس ولا يمثلنا كسوريين”. هذا الموقف يعكس حقيقة مهمة: الهجري لا يحتكر تمثيل الدروز، وغالبية أبناء الطائفة يرفضون الارتهان للاحتلال أو تحويل محافظتهم إلى أداة في صراعات إقليمية.

خلاصة

ما صدر عن حكمت الهجري ليس دفاعًا عن الدروز، بل اصطفاف صريح مع الاحتلال الإسرائيلي، وترويج مباشر لمشروع تقسيم سوريا. استخدام معاناة حقيقية لتبرير العدوان، وشيطنة الدولة، وتسويق إسرائيل كـ“منقذ”، كل ذلك يضع الرجل في خانة الخيانة السياسية والأخلاقية، ويكشف خطورة تحويل الأقليات إلى أدوات في مشاريع التفكيك. حماية سوريا وأبنائها لا تكون بالاستقواء بالاحتلال، بل برفضه، والحفاظ على وحدة البلاد وسيادتها.

اقرأ أيضًا : دم الطفلة يطارد الاحتلال في قاعات المحاكم: “هند رجب” تلاحق جنديًا إسرائيليًا في النمسا