أثار حكم المحكمة الدستورية العليا في مصر، القاضي بعدم دستورية إدراج بعض أنواع “الحشيش الاصطناعي” ضمن جداول المخدرات، حالة واسعة من الصدمة والغضب في الأوساط الشعبية والقانونية، لما يحمله من تداعيات خطيرة على الأمن المجتمعي ومستقبل العدالة الجنائية في البلاد. فقد اعتبر كثيرون أن الحكم لا يمثل فقط خطأ قانونيًا، بل يفتح الباب أمام موجة جديدة من الانفلات المرتبط بتجارة وتعاطي المواد المخدرة المصنعة.
وجاء الحكم ببطلان قرار هيئة الدواء بنقل مادة “الميثامفيتامين” إلى الجدول الأول، بحجة تجاوز الهيئة لاختصاصاتها القانونية، وافتئاتها على سلطة المشرّع ووزير الصحة. وبموجب هذا القرار، اعتُبرت جميع التعديلات السابقة على جداول المخدرات كأن لم تكن، وهو ما يضع آلاف القضايا والأحكام تحت طائلة الإلغاء أو المراجعة.

خطأ إداري يدفع المجتمع ثمنه
يرى حقوقيون ومحامون أن جوهر الأزمة لا يكمن في مبدأ الفصل بين السلطات الذي أكده الحكم، بل في الكلفة الاجتماعية الباهظة لهذا “الخطأ الإجرائي”. فغياب التنسيق القانوني بين الجهات الحكومية، وتأخر البرلمان في تعديل التشريعات، أديا إلى فراغ تشريعي سمح بخروج أخطر أنواع المخدرات من دائرة التجريم الفعلي.
ويؤكد مختصون أن استمرار العمل بالجداول القديمة، دون إدراج المواد التخليقية الحديثة، يعني عمليًا تحييد أدوات الردع القانونية في مواجهة شبكات الإجرام المنظم. كما أن إسقاط حجية الأحكام السابقة يهدد بإطلاق سراح آلاف المدانين في قضايا “الآيس” و”الشابو” و”الكريستال” و”الاستروكس”، ما يشكل خطرًا مباشرًا على الأمن العام.
قضية سارة خليفة في قلب العاصفة
ارتبط الحكم ارتباطًا مباشرًا بقضية المذيعة سارة خليفة، المتهمة بقيادة شبكة لتصنيع وتجارة المخدرات الصناعية، بعد ضبط كميات ضخمة قدرت قيمتها بأكثر من مليار جنيه. وخلال سير القضية، تقدم دفاعها بطعن على دستورية قرار إدراج المادة المضبوطة ضمن جداول المخدرات، وهو ما مهد الطريق لإحالة القضية إلى المحكمة الدستورية.
ومع صدور الحكم، سارع محامو المتهمة إلى المطالبة بإخلاء سبيلها، معتبرين أن الأساس القانوني للمحاكمة قد سقط. وأكدوا أن القرار يشمل جميع القضايا المماثلة، حتى تلك التي صدرت فيها أحكام نهائية، ما أثار مخاوف من انهيار منظومة الردع في قضايا المخدرات.
اتهامات بتسييس القضاء
في قراءة سياسية للحكم، اعتبر عدد من المعارضين أن القرار يحمل أبعادًا سياسية، تهدف – بحسب تعبيرهم – إلى “تغييب وعي المجتمع” عبر تسهيل انتشار المخدرات. ورأى سياسيون وحقوقيون أن المحكمة، بحكم تشكيلها وطريقة تعيين أعضائها، باتت جزءًا من منظومة السلطة، وتتحرك في ملفات معينة بسرعة لافتة، بينما تتجاهل قضايا أكثر إلحاحًا.
ويشير هؤلاء إلى التناقض الواضح بين سرعة الفصل في هذه القضية، وبطء المحكمة في ملفات أخرى تتعلق بالحقوق الاجتماعية أو الحريات العامة، ما يثير تساؤلات حول أولويات العدالة في البلاد.
شبهات وتوقيت مريب
ذهب باحثون حقوقيون إلى وصف الحكم بـ”المريب”، متسائلين عن أسباب التعجيل به، وعدم تعليق آثاره كما حدث في قضايا أخرى، مثل الإيجار القديم. كما ربط بعضهم بين القرار وبين ما تردد عن تورط شخصيات نافذة في شبكات الاتجار بالمخدرات، معتبرين أن الحكم قد يكون تمهيدًا لإغلاق ملفات محرجة.
وتعزز هذه الشكوك بقرارات إفراج متزامنة عن متهمين في قضايا مشابهة، ما خلق انطباعًا عامًا بوجود نمط متكرر من الإفلات من العقاب.
نماذج متكررة للإفراج والإفلات
لم تكن قضية سارة خليفة الوحيدة، إذ سبقتها حالات مثل الإفراج عن داليا فؤاد بعد إلغاء اتهامها في قضية “مخدر الاغتصاب”، وكذلك قضايا لفنانين ومشاهير انتهت بأحكام مخففة أو مع وقف التنفيذ. ويعتبر مراقبون أن هذه السوابق ترسخ ثقافة التساهل مع جرائم المخدرات، خاصة عندما يكون المتهمون من ذوي النفوذ أو الشهرة.
وفي المقابل، تشهد الشوارع المصرية انتشارًا متزايدًا لأنواع جديدة من المخدرات، مع مشاهد يومية لشباب في حالات هستيرية، وأوكار تصنيع وتوزيع تعمل علنًا في بعض المناطق الشعبية.
مفارقة العدالة والاعتقال السياسي
يثير هذا الواقع مفارقة صارخة، إذ يتم الإفراج عن متهمين في قضايا مخدرات بسبب “ثغرات إجرائية”، بينما يُحتجز آلاف المعتقلين السياسيين لسنوات طويلة دون أحكام نهائية، في مخالفة صريحة للقانون والدستور.
ويرى مراقبون أن هذا التناقض يكشف خللًا بنيويًا في منظومة العدالة، حيث يُطبّق القانون بصرامة على المعارضين، ويتساهل مع أصحاب النفوذ أو القضايا الحساسة سياسيًا.
قوانين خطيرة في عهد السيسي
يضع كثير من المنتقدين هذا الحكم في سياق أوسع من السياسات القانونية في عهد عبد الفتاح السيسي، التي اتسمت، وفق رأيهم، بتوسيع سلطات الأجهزة الأمنية، وتهميش البرلمان، وإضعاف الرقابة التشريعية. وقد أدى ذلك إلى تراكم أخطاء قانونية جسيمة، يدفع المجتمع ثمنها لاحقًا.
ويؤكد هؤلاء أن غياب الإصلاح التشريعي الحقيقي، والاكتفاء بإدارة الأزمات عبر حلول مؤقتة، جعل الدولة عرضة لانفجارات قانونية من هذا النوع، تهدد السلم الاجتماعي وتضرب ثقة المواطنين في العدالة.
أزمة ثقة ومستقبل غامض
في المحصلة، لا يمثل حكم الدستورية مجرد واقعة قانونية معزولة، بل يعكس أزمة عميقة في إدارة الدولة للملف القانوني والأمني. فبين فراغ تشريعي، وتسييس محتمل للقضاء، وتفشي المخدرات، تتآكل ثقة المواطنين في قدرة المؤسسات على حماية المجتمع.
ومع غياب رؤية إصلاحية واضحة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تتحرك الدولة سريعًا لسد هذه الثغرة التشريعية، أم يتحول الحكم إلى بوابة واسعة لانفلات اجتماعي وأخلاقي جديد؟ الإجابة ستحدد ملامح المرحلة القادمة في مصر، بين دولة القانون، أو دولة الثغرات والاستثناءات.
اقرأ أيضًا : ضبابية المشهد السياسي في تونس واتساع رقعة المعارضين لسلطة قيس سعيّد