يشهد المشهد السياسي في تونس حالة متصاعدة من الغموض والارتباك، في ظل استمرار التوتر بين السلطة والمعارضة منذ سنوات، وتحديدًا منذ إعلان إجراءات 25 تموز/يوليو 2025، وما تبعها من إيقافات ومحاكمات لرموز سياسية وحقوقية بارزة بتهم “التآمر”. هذه الضبابية لم تعد مقتصرة على المعارضة التقليدية، بل امتدت لتشمل شخصيات ونوابًا كانوا في وقت قريب من أبرز داعمي الرئيس قيس سعيد، ما يعكس تحولات عميقة في بنية المشهد السياسي التونسي.

أزمة متعددة الأبعاد: اقتصاد منهك ومجتمع مثقل

تتقاطع الأزمة السياسية في تونس مع أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة. فقد باتت البطالة في تصاعد، وتعطلت مشاريع استثمارية عديدة، وتراجعت قدرة الدولة على دعم القطاعات الحيوية. ويعاني المواطن من نقص الأدوية، وضعف الخدمات الصحية، وغياب السيولة لدى المؤسسات العمومية، ما انعكس بشكل مباشر على مستوى المعيشة.

في هذا السياق، يرى نواب حاليون أن البلاد تعيش وضعًا “متدهورًا وضعيفًا جدًا”، مع غياب أي أفق واضح للإصلاح. كما يشيرون إلى أن الأزمات المتراكمة لم تعد قابلة للمعالجة الجزئية، بل تحتاج إلى حلول جذرية تعيد الاعتبار لمفهوم الدولة ومؤسساتها.

اختناق سياسي وتراجع الحريات العامة

على المستوى السياسي والحقوقي، تتزايد الانتقادات بشأن ما يوصف بـ”الاختناق العام”. فالسجون تضم عددًا متزايدًا من الصحفيين والسياسيين والمحامين، في ظل اعتماد قوانين ومراسيم مثيرة للجدل، أبرزها المرسوم 54 المتعلق بالجرائم الإلكترونية.

ويؤكد معارضون أن غياب المحكمة الدستورية، وتعطّل آليات الرقابة، وتحجيم دور البرلمان، كلها عوامل أسهمت في إضعاف الحياة السياسية وتحويلها إلى فضاء مغلق، لا يسمح بتعدد الآراء أو التداول السلمي الحقيقي للسلطة.

انقسام داخل معسكر المساندين السابقين

أحد أبرز التحولات في المرحلة الأخيرة يتمثل في تصاعد أصوات ناقدة من داخل المعسكر الذي دعم الرئيس سابقًا، خاصة من نواب البرلمان. هؤلاء باتوا يطالبون اليوم بحوار وطني شامل، وتقديم تنازلات متبادلة، وإجراء إصلاحات هيكلية عميقة.

ويرى هؤلاء أن النظام الحالي بات أقرب إلى “نظام رئاسوي مغلق”، حيث تتركز السلطة في يد الرئيس، بينما تُقيد الحكومة والوزراء بمنشورات وتعليمات صارمة، تحد من استقلاليتهم وقدرتهم على المبادرة.

المعارضة بين القمع ومحاولات إعادة التنظيم

رغم التضييق والاعتقالات، تحاول قوى المعارضة إعادة ترتيب صفوفها. ويعترف قادتها بأن الحراك المعارض يسير ببطء، نتيجة الضربات الأمنية المتلاحقة وغياب القيادات عن المشهد بسبب السجن أو الملاحقة القضائية.

ومع ذلك، تشهد الساحة السياسية في الأشهر الأخيرة تقاربًا ملحوظًا بين أطياف معارضة مختلفة، كانت تعاني سابقًا من الانقسام والتناحر. ويعتبر مراقبون أن هذا التقارب الميداني يمثل خطوة متقدمة نحو بناء جبهة وطنية أوسع، قادرة على مواجهة هيمنة السلطة.

عزوف استثماري وتراجع دبلوماسي

لا تقتصر تداعيات الأزمة على الداخل، بل تمتد إلى علاقات تونس الخارجية. إذ تشهد البلاد حالة عزوف غير مسبوقة عن الاستثمار، داخليًا وخارجيًا، بسبب غياب الاستقرار السياسي والقانوني.

كما يعاني السلك الدبلوماسي من فراغات تمثيلية وضعف في الحضور الدولي، ما أثر على قدرة تونس في الدفاع عن مصالحها الاقتصادية والسياسية، وجذب الدعم الخارجي في ظل الأزمة المالية الخانقة.

قراءة نقدية: نحو نظام أكثر تشددًا؟

يرى عدد من المحللين أن ما يجري اليوم ليس سوى نتيجة طبيعية لمسار بدأ منذ إجراءات تموز/يوليو، التي وصفها معارضون بأنها “انقلاب على المسار الديمقراطي”. ويؤكدون أن المعارضة تعمل في بيئة سياسية خانقة، تجعل أي تحرك ميداني محفوفًا بالمخاطر.

كما يحذر بعضهم من سيناريو “البديل الأكثر قسوة”، معتبرين أن إضعاف الطبقة السياسية الحالية قد يمهد الطريق أمام نماذج حكم أكثر تشددًا، تحت شعار الاستقرار أو التفويض الشعبي.

الحوار الوطني بين الضرورة والتعطيل

تجمع أغلب الأطراف السياسية، رغم خلافاتها، على أن الحوار الوطني بات ضرورة ملحّة. فغياب المعارضة، أو تهميشها، لا يمكن أن يؤسس لدولة مستقرة. ويرى نواب ومعارضون أن الرأي الواحد لا يبني دولة، وأن الاختلاف هو أساس الإصلاح.

لكن حتى الآن، تصطدم دعوات الحوار برفض أو تجاهل من السلطة، التي تفضل إدارة الملفات الكبرى بشكل أحادي، ما يعمق فجوة الثقة بينها وبين مختلف القوى السياسية.

مستقبل غامض ومخاوف من تمديد الحكم

في ختام المشهد، تبدو تونس أمام مفترق طرق حاسم. فالأزمة السياسية، والاقتصادية، والحقوقية، تتشابك لتصنع وضعًا شديد التعقيد. ومع تصاعد التحذيرات من نوايا محتملة لتمديد الحكم لعهدة جديدة خارج التوافق الوطني، تتزايد مخاوف الانزلاق نحو مرحلة أكثر انغلاقًا.

وبين سلطة متمسكة بخياراتها، ومعارضة تسعى لترميم صفوفها، وشعب مثقل بالأعباء اليومية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح تونس في استعادة مسار الحوار والديمقراطية، أم تستمر في دوامة الضبابية والتوتر السياسي؟

اقرأ أيضًا : استشهاد طفلين برصاص أجهزة السلطة خلال مطاردة والدهما في طوباس يفتح ملف التنسيق والقمع الداخلي