في تطور بالغ الخطورة على وحدة السودان واستقراره، أعلن ائتلاف تقوده قوات الدعم السريع، بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”، تشكيل حكومة موازية ومجلس رئاسي جديد غربي السودان. وجاء الإعلان خلال مؤتمر صحفي بمدينة نيالا، في إقليم دارفور، وسط رفض حاد من الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، الذي اعتبر الخطوة انقلابًا جديدًا على الدولة ومحاولة لتقسيم البلاد إلى دويلات متناحرة.
وتأتي هذه الخطوة المتهورة ضمن سياق معقد تشهده البلاد منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، وهي حرب دمّرت الدولة المركزية، وفتحت الباب لتدخلات إقليمية خطيرة، أبرزها دور الإمارات التي تُتهم بدعم حميدتي ومليشياته بالسلاح والمال في إطار أجندة تقسيم السودان وإضعافه.

حميدتي يعلن حكومته في نيالا.. دولة داخل الدولة
خلال المؤتمر الصحفي بنيالا، أعلن ممثلو ائتلاف مكوّن من قوات الدعم السريع وعدد من الحركات المسلحة، تشكيل مجلس رئاسي يترأسه حميدتي، ويضم 15 عضواً، أبرزهم عبد العزيز الحلو، زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال، الذي تم تعيينه نائبًا للرئيس، في محاولة لإضفاء طابع “تقدمي علماني” على المشروع الانفصالي.
كما تم تعيين محمد حسن التعايشي رئيسًا للوزراء، وهو شخصية مدنية سبق أن شغلت عضوية مجلس السيادة خلال المرحلة الانتقالية بعد الثورة، في خطوة توحي بأن حميدتي يسعى لابتلاع رموز القوى المدنية واستخدامها لتلميع صورته أمام المجتمع الدولي، رغم ارتكابه جرائم موثقة في دارفور والخرطوم.
اللافت أن الإعلان شمل تعيين حكّام للأقاليم بما فيها مناطق يسيطر عليها الجيش السوداني، في استعراض نوايا توسعية تستبق نتائج المعارك الجارية، وتكرّس فعليًا وجود حكومتين داخل الدولة الواحدة.
المشروع الانفصالي برعاية إماراتية.. من دارفور إلى التقسيم الكامل
التحركات الأخيرة لقوات الدعم السريع، وتشكيلها حكومة موازية، لم تكن خطوة محلية الطابع، بل تأتي ضمن أجندة إقليمية مدعومة بشكل أساسي من دولة الإمارات. تقارير استخباراتية متعددة، وتحقيقات صحفية موثقة، أشارت إلى دعم أبوظبي اللوجستي والمالي والسياسي لحميدتي، بل وتسهيل حصوله على أسلحة متطورة عبر وسطاء في ليبيا وتشاد، بهدف تمكينه من فرض سيطرته على غرب السودان تمهيدًا لتفكيك الدولة.
ويقول مراقبون إن الإمارات تسعى من خلال دعمها لقوات الدعم السريع إلى إنشاء كيان موالٍ لها في غرب السودان، يُستخدم كورقة ضغط جيوسياسية ضد مصر من جهة، وكبوابة للسيطرة على الموارد المعدنية الغنية في دارفور وكردفان من جهة أخرى. كما أن الإمارات تسعى للهيمنة على سواحل البحر الأحمر عبر توسيع نفوذها في شرق السودان أيضًا.
إن التقاء الدعم الإماراتي بحلم حميدتي في الهيمنة على السودان، أسفر عن تسريع جهود تشكيل حكومة أمر واقع موازية، تشبه حكومة حفتر في شرق ليبيا، والتي دعمتها أبوظبي أيضًا ضد حكومة طرابلس المعترف بها دوليًا. ويبدو أن تكرار هذا السيناريو بات هدفًا مباشرا للسياسة الإماراتية في السودان، دون اكتراث بمصير المدنيين أو وحدة البلاد.
كارثة إنسانية موازية.. ومواقف دولية متناقضة
وسط هذا الانقسام السياسي والعسكري، يعيش السودان واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم. فقد أعلنت الأمم المتحدة أن أكثر من نصف سكان السودان – نحو 25 مليون شخص – يعانون من الجوع، بينما نزح أكثر من 10 ملايين عن منازلهم، ما يجعله أكبر نزوح داخلي في العالم.
وفيما تتراكم التقارير عن المجازر والانتهاكات في دارفور والخرطوم، تقف القوى الدولية بين مدّ وجزر. فالولايات المتحدة كانت قد فرضت عقوبات على حميدتي بتهمة ارتكاب “إبادة جماعية”، كما فرضت عقوبات أخرى على البرهان بسبب رفضه مسار التفاوض. لكن هذه المواقف لم ترتقِ بعد إلى مستوى التدخل الجاد لوقف المجازر أو كبح مشاريع التقسيم المدعومة خارجيًا.
ويحذر محللون من أن تشكيل حكومة موازية سيؤدي إلى انهيار أي فرصة لمفاوضات الحل الشامل، بل وسيُسرّع عملية تقسيم البلاد إلى دويلات عرقية وجهوية تتصارع إلى ما لا نهاية، كما جرى في الصومال وجنوب السودان. والأسوأ أن ذلك يفتح الباب لتدويل الأزمة وتحويل السودان إلى ساحة حرب بالوكالة.
خاتمة: السودان إلى أين؟
تشكل حكومة حميدتي الموازية محاولة انقلابية جديدة على الدولة، ولكنها هذه المرة لا تستهدف السلطة فقط، بل تهدد وجود السودان ككيان موحد. وبدعم إماراتي واضح، تتحول مليشيا الدعم السريع إلى أداة تفتيت في يد أبوظبي، تفرض واقعًا جديدًا بالسلاح والدماء.
أمام هذا الخطر، تبدو الحاجة ماسّة لتحرك شعبي داخلي، وإقليمي جاد من الدول الرافضة لمشاريع التقسيم، من أجل حماية ما تبقى من الدولة السودانية، وإجبار أطراف النزاع على الجلوس إلى طاولة مفاوضات حقيقية تحت رقابة دولية صارمة. وإلا فإن ما تبقى من السودان سيتلاشى، ويتحوّل إلى بؤرة أخرى للفوضى المُدبّرة في قلب إفريقيا.
اقرأ أيضًا : الإمارات وراء دمار السودان.. رغم عودة 1.3 مليون نازح، الحرب تواصل قتل المدنيين وتدمير الخدمات