في تطور ميداني بالغ الدلالة، أعلنت السلطات السورية أن مدينة حلب باتت خالية تمامًا من وجود قوات سوريا الديمقراطية، عقب طرد عناصرها من آخر معاقلهم في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، في خطوة اعتُبرت تحولًا نوعيًا في خارطة السيطرة داخل ثاني كبرى المدن السورية، وطَيًّا لمرحلة طويلة من التوتر الأمني والاشتباكات المتقطعة التي أرهقت المدنيين وعمّقت الانقسام داخل المدينة.

نهاية وجود مسلح داخل المدينة
إعلان هيئة العمليات في الجيش السوري الانتهاء الكامل من عمليات تمشيط حي الشيخ مقصود، بعد ساعات من انطلاقها، مثّل ذروة العملية العسكرية التي وُصفت بـ«المحدودة» لكنها كانت حاسمة من حيث النتائج. فبخروج “قسد” من الحي، ينتهي عمليًا أي وجود عسكري لها داخل حلب، بعد أن سبق إخراجها من حيي الأشرفية وبني زيد، لتعود المدينة بالكامل إلى سيطرة الدولة للمرة الأولى منذ سنوات.
هذا التطور لا يقتصر على بعده العسكري فقط، بل يحمل أبعادًا سياسية وأمنية أعمق، تتعلق بإعادة ترسيخ سلطة الدولة داخل المدن الكبرى، وإنهاء نموذج “الجيوب المسلحة” الذي ظل مصدر قلق دائم للسلطات ولسكان المدينة على حد سواء.
تثبيت أمني وتحذيرات رسمية
محافظ حلب، عزام الغريب، أكد أن الأجهزة المختصة تعمل على مدار الساعة لتثبيت الأمن وإعادة الحياة الطبيعية إلى الأحياء التي شهدت المواجهات، مشددًا على استمرار حظر التجوال مؤقتًا، وداعيًا الأهالي النازحين إلى عدم العودة قبل التنسيق الرسمي، في مؤشر على حجم المخاطر الأمنية المتبقية، خصوصًا مع الحديث عن عبوات ناسفة وألغام زرعت في المناطق السكنية.
هذا الخطاب يعكس حرص الدولة على تجنب سيناريوهات الفوضى أو الخسائر المدنية بعد العمليات العسكرية، لكنه في الوقت ذاته يكشف حجم التعقيد الأمني الذي خلفه وجود “قسد” داخل أحياء مأهولة بالسكان.
تضارب الروايات الميدانية
رغم الإعلان الرسمي عن السيطرة الكاملة، نقلت وكالة “رويترز” نفيًا عن “قسد” بشأن فقدانها السيطرة على الشيخ مقصود، بالتزامن مع تقارير عن سماع انفجارات وإطلاق نار داخل الحي. هذا التضارب في الروايات يعكس محاولة التنظيم الحفاظ على صورة “الصمود” إعلاميًا، حتى بعد تراجعه الميداني، وهي استراتيجية اعتاد عليها في محطات سابقة.
غير أن المعطيات على الأرض، وسرعة إعلان التمشيط الكامل، تشير إلى أن وجود “قسد” داخل حلب أصبح من الماضي، وأن أي اشتباكات لاحقة –إن وُجدت– لا تتجاوز كونها أعمال تشويش أو انسحابات متعثرة.
اتهامات بانتهاكات جسيمة
وزارة الداخلية السورية وجّهت اتهامات ثقيلة للتنظيم، متحدثة عن انتهاكات ترقى إلى جرائم حرب، شملت قصفًا عشوائيًا للأحياء السكنية، وزرع ألغام في مناطق مأهولة، واستخدام المدنيين دروعًا بشرية، إضافة إلى حفر أنفاق تحت المنازل والمنشآت الخدمية، وتخزين الأسلحة داخلها.
الأخطر في هذه الاتهامات هو الحديث عن استخدام عناصر انتحارية، وهي ممارسة أعادت إلى الأذهان أساليب تنظيم “داعش”، ما يمنح الخطاب الرسمي السوري مادة قوية لتوصيف “قسد” كتنظيم مسلح خارج عن القانون، وليس مجرد قوة أمر واقع.
كلفة إنسانية مرتفعة
الأحداث الأخيرة، التي تفجرت منذ الثلاثاء الماضي، أسفرت وفق الأرقام الرسمية عن 9 قتلى و55 مصابًا، ونزوح نحو 165 ألف شخص من أحياء الأشرفية والشيخ مقصود وبني زيد. هذه الأرقام تعكس الكلفة الإنسانية العالية لوجود التشكيلات المسلحة داخل المدن، وتطرح تساؤلات جدية حول جدوى إبقاء أي قوة غير نظامية في مناطق مكتظة بالسكان.
دلالات أوسع للمشهد السوري
خروج “قسد” من حلب لا يمكن فصله عن سياق أوسع، يتمثل في إصرار الدولة السورية على إنهاء أي مظاهر حكم موازٍ أو وجود عسكري خارج مؤسساتها، خاصة بعد تعثر تنفيذ الاتفاقات المتعلقة بدمج المؤسسات المدنية والعسكرية شمال شرقي البلاد، وانسحاب القوات إلى شرق الفرات.
كما أن هذه الخطوة تحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن الدولة قادرة على فرض سيادتها، وأن خيار “الإدارة الذاتية المسلحة” داخل المدن الكبرى لم يعد مقبولًا أو قابلًا للاستمرار.
ما بعد حلب
بانتهاء صفحة “قسد” في حلب، تفتح مرحلة جديدة عنوانها إعادة الإعمار الأمني والاجتماعي، وعودة الحياة تدريجيًا إلى أحياء أنهكتها سنوات من التوتر. غير أن التحدي الحقيقي يبقى في معالجة آثار ما بعد الصدام: نزع الألغام، إعادة النازحين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وهي ملفات ستحدد ما إذا كان هذا التحول سيترجم إلى استقرار دائم، أم مجرد هدنة في صراع لم تُطوَ صفحته بالكامل بعد.
اقرأ أيضًا : قريبًا جدًا؟ البرهان يرفع سقف الحرب ويتوعد «الدعم السريع» بالنصر