في تصعيد جديد لخطاب الحرب في السودان، تعهّد رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، بتحقيق “النصر قريبًا جدًا” على ميليشيا “الدعم السريع”، في وقت تتواصل فيه المعارك على جبهات متعددة، وسط واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، وتزايد الاتهامات بتدخلات إقليمية، على رأسها الإمارات، في تغذية الصراع وإطالة أمده.

خطاب تعبوي في لحظة استنزاف
جاءت تصريحات البرهان خلال زيارة إلى مسجد “الشيخ الصايم ديمه” بمدينة أم درمان، حيث وجّه اتهامات مباشرة لميليشيا الدعم السريع بالتسبب في “الأذى لكل السودانيين”، متعهدًا برد المظالم واستعادة حقوق المواطنين من “المتمردين”.
الخطاب حمل نبرة دينية وشعبوية واضحة، وركّز على تصوير الحرب بوصفها معركة أخلاقية بين “الجيش والشعب” من جهة، و”التمرد” من جهة أخرى، في محاولة لإعادة شدّ الحاضنة الشعبية حول المؤسسة العسكرية بعد طول أمد الحرب.
غير أن توقيت الخطاب يثير تساؤلات، إذ يأتي بعد ما يقارب ثلاثة أعوام من حرب لم تنجح فيها أي من القوتين في فرض حسم عسكري شامل، بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر من دمائهم وأرزاقهم واستقرارهم.
وعود النصر بين الخطاب والواقع
حديث البرهان عن أن “الشعب يقف خلف الجيش ويقاتل معه” يعكس مسعى لترسيخ سردية “الحرب الوطنية”، إلا أن الوقائع الميدانية تشير إلى مشهد أكثر تعقيدًا.
فالحرب تحولت إلى صراع استنزاف طويل، تُستنزف فيه الموارد العسكرية والاقتصادية، في ظل انهيار شبه كامل لمؤسسات الدولة، وتراجع الخدمات، واتساع رقعة الفقر والمجاعة.
ويرى مراقبون أن خطاب “النصر القريب” يُستخدم أساسًا كأداة لرفع المعنويات وتثبيت الجبهة الداخلية، أكثر من كونه انعكاسًا لتغير حقيقي وحاسم في ميزان القوى على الأرض.
خريطة السيطرة… دارفور مقابل الخرطوم
ميدانيًا، تشهد ولايات إقليم كردفان الثلاث (شمال، غرب، جنوب) اشتباكات عنيفة خلال الأسابيع الأخيرة، أدت إلى موجات نزوح جديدة، وفتحت جبهة استنزاف إضافية للجيش السوداني.
في المقابل، تواصل ميليشيا الدعم السريع سيطرتها على إقليم دارفور بالكامل، وهو ما يمنحها عمقًا جغرافيًا واستراتيجيًا بالغ الخطورة.
ورغم أن دارفور تمثل نحو خمس مساحة السودان، فإن الكثافة السكانية الأكبر لا تزال في المناطق التي يسيطر عليها الجيش، بما فيها العاصمة الخرطوم والولايات الشمالية والشرقية والوسطى، ما يجعل الصراع أقرب إلى معادلة “السيطرة على الأرض” مقابل “التمركز السكاني”.
الإمارات في قلب الاتهام
في خلفية هذا المشهد، تتصاعد الاتهامات الموجهة إلى الإمارات العربية المتحدة بدعم ميليشيا الدعم السريع سياسيًا وعسكريًا ولوجستيًا.
تقارير أممية وتحقيقات صحفية دولية تحدثت عن شبكات إمداد بالسلاح تمر عبر دول مجاورة، إلى جانب علاقات مالية وتجارية تربط قيادات في الدعم السريع بأبوظبي، خاصة في قطاعات الذهب والنقل.
ويرى محللون أن هذا الدعم لا ينفصل عن سياسة إماراتية أوسع تقوم على دعم قوى مسلحة موازية للجيوش النظامية، بما يضمن نفوذًا طويل الأمد ويحول دون قيام دولة سودانية قوية وموحدة قادرة على التحكم في مواردها وقرارها السيادي.
مسار السلام… رعاية بلا حسم
سياسيًا، بحث البرهان في بورتسودان مع وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي، مبادرة السلام التي يرعاها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
المبادرة تهدف نظريًا إلى وقف إطلاق النار وإطلاق مسار سياسي، لكنها لا تزال متعثرة، في ظل غياب آليات ضغط حقيقية على الأطراف الإقليمية المتهمة بتغذية الحرب.
نصر قريب أم حرب مفتوحة؟
في المحصلة، يعكس تعهّد البرهان بـ“النصر قريبًا جدًا” إما ثقة مفرطة بقدرة الجيش على الحسم، أو محاولة لتثبيت الجبهة الداخلية في لحظة إنسانية كارثية.
لكن استمرار الدعم الخارجي لميليشيا الدعم السريع، وتعقيدات المشهد الميداني، يشيران إلى أن السودان لا يزال عالقًا في حرب مفتوحة، لا تحسمها الخطابات، بل كلفة الدم والتدخلات الإقليمية.
اقرأ أيضا : بعد تقدّم الحكومة وتراجع المليشيا الانفصالية.. إلى من ستؤول الأمور في اليمن؟